“تعذر البت” … مأزق “الإحالة العليلة”: حين تسقط الشكليات جوهر التشريع وتخدش هيبة المؤسسات

“تعذر البت”

مأزق “الإحالة العليلة”: حين تسقط الشكليات جوهر التشريع وتخدش هيبة المؤسسات

 سياسي: رشيد لمسلم

تأخذ القضية المستجدة المتعلقة بقرار المحكمة الدستورية بخصوص القانون المنظم لمهنة المحاماة أبعادا تتجاوز القراءة التقنية للنصوص، لتلامس صلب نجاعة المؤسسات ودولة القانون.

إذ إن انتهاء المسار التشريعي لنص بهذه الأهمية بقرار “تعذر البت” لخلل شكلي في المسطرة، بعد استنفاد كامل الآجال الدستورية، لا يمثل مجرد تعثر إجرائي عابر، بل يعكس خللا في التناسق المؤسساتي ينجم عنه هدر صريح للزمن التشريعي وتأجيل غير مبرر لحسم قضايا تمس العدالة والممارسة المهنية.

إن القراءة المتأنية في مسار الاجتهاد الدستوري تثير علامات استفهام منهجية حول مدى استقرار المعايير وحياديتها التشغيلية.

ففي الوقت الذي اعُتمدت فيه الصرامة المسطرية المطلقة لإسقاط البت في مضمون قانون المحاماة، يُسجل المتابعون للشأن القانوني كيف تغاضت المؤسسة نفسها عن عيب إجرائي يماثله في مسطرة إحالة قانون المسطرة المدنية، حيث تم تجاوز الخلل الشكلي والعبور مباشرة للبت في المضمون.

هذا التضارب في إعمال القواعد الإجرائية يضع القضاء الدستوري أمام اختبار حقيقي لإرساء عقيدة قضائية متماسكة تُجنب الرقابة الدستورية مظاهر الانتقائية أو الارتباك المنهجي.

في المقابل، تضع هذه العثرات المتكررة رئاسة مجلس النواب في موضع المساءلة السياسية والقانونية المباشرة. فإحالة نصوص ذات حجم وطني بهذه الهشاشة المسطرية تمنع القضاء من ممارسة رقابته المادية، لم تعد تحتمل التفسيرات التبسيطية القائمة على فكرة “السهو الإداري” أو “الاستهتار التنفيذي”.

إن المؤسسة التشريعية تزخر بأطر قانونية وكفاءات إدارية رفيعة المستوى قادرة على صياغة ضوابط مسطرية لا ترقى إليها الشبهات، وهو ما يجعل فرضية التغاضي المقصود أو التوظيف التكتيكي للعيوب الإجرائية لخلق مناورات سياسية وإعادة ترتيب أولويات الأجندة التشريعية فرضية قائمة وبقوة في التحليل السياسي المسؤول.

إن دولة المؤسسات لا تُبنى على حسابات تكتيكية تُهدر زمن الوطن وتصادر جوهر النص التشريعي لحساب الشكليات. وإن الحفاظ على هيبة التشريع يمر حتما عبر مسارين متوازيين: التزام صارم من رئاسة البرلمان بتطبيق الضوابط المساطرية دون تهاون أو مناورة، واستقرار شفاف في القضاء الدستوري يعلي مبدأ الأمن القانوني ويضمن وحدة المعاملة المسطرية لكافة التشريعات على حد سواء.

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*