المخابرات المغربية في مواجهة التضليل: قوة الجدار
السيادي وتفكيك المؤامرة الإقليمية
بقلم : البراق شادي عبد السلام
تتداخل التحولات المتسارعة في بيئة الأمن الدولي الراهنة مع بروز الفضاء السيبراني كساحة تفاعل جيوسياسي رئيسية، وتتقاطع فيها طموحات القوى الإقليمية مع استراتيجيات الدفاع السيادي للدول؛ حيث أصبحت الهجمات الرقمية الموجهة وحملات التضليل الممنهجة أدوات بديلة للصراعات التقليدية الرامية إلى زعزعة استقرار الدول عبر استهداف بياناتها الحيوية ومحاولة تقويض ثقة مواطنيها بمؤسساتهم الرسمية.
وتفرض هذه البيئة الدولية المعقدة على القوى الصاعدة، وفي طليعتها المملكة المغربية، تبني استراتيجيات دفاعية هجينة تجمع بين الصرامة الميدانية واليقظة التكنولوجية العالية لحماية أمنها القومي، وصيانة مكتسباتها الدبلوماسية والسيادية في محيط إقليمي يتسم بالتنافس الشديد والاضطراب المستمر، مما يجعل التماسك بين المجتمع والمؤسسات السيادية خط الدفاع الأول في مواجهة هذه التهديدات العابرة للحدود.
ويتضح من خلال القراءة المعمقة للموقع الجيوسياسي للمغرب أن النجاحات الدبلوماسية المتتالية في ملف الوحدة الترابية، وتعاظم الدور المحوري للرباط كشريك استراتيجي للقوى الدولية في حوض البحر الأبيض المتوسط وفي العمق الأفريقي عبر المبادرة الملكية الأطلسية، أفرزا حالة من الارتباك لدى الأطراف المناوئة، دفعها إلى نقل معاركها إلى الحقل الرقمي وتفعيل أدوات التضخيم الخوارزمي الموجه.
وفي هذا الإطار، تتكامل اليقظة التقنية الوطنية مع ضوابط التشريع المغربي المتمثل في القانون 05.20 المتعلق بالأمن السيبراني، والدور المحوري للمديرية العامة لأمن نظم المعلومات (DGSSI) بجانب قطب المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني والمديرية العامة للأمن الوطني DGSN-DGST، وباقي الأجهزة السيادية للمملكة لفرض ردع رقمي متكامل يجهض استراتيجيات التلاعب المعرفي والهندسة الاجتماعية في مهدها.
وفي هذا السياق المتوتر والمحكوم بالحروب المعرفية، تتجلى بؤس السرديات المصنوعة في مطابخ التضليل الإقليمي؛ حيث يندرج ادعاء كشف لوائح اسمية تزعم تضمين سبعين ألف عنصر ومتعاون مع المخابرات المغربية في الساحة الأوروبية ضمن خانة الشطط الفكري والتهافت الميداني.
وإن إخضاع هذا الرقم الخيالي لمعايير العقل والمنطق، وقواعد الهندسة الاستخباراتية الدولية، يثبت انفصاله التام عن الواقع والعمق العملياتي للدول؛ إذ يستحيل من الناحية اللوجستية والمهنية إدارة أو تجميع هذا الحشد الضخم في قاعدة بيانات واحدة أو تصرف عملياتي موحد دون الاصطدام ببديهيات العمل الإستخباراتي المهني الرصين .
وتتضاعف غرابة هذه الادعاءات وأبعادها التضليلية حين تُقارب بالواقع الميداني والدور التاريخي الراسخ للأجهزة الأمنية المغربية في صيانة الأمن القومي القاري؛ فبدلا من هذه الأرقام الخيالية المصنوعة لأغراض التجييش، تنشط المخابرات المغربية في العواصم الغربية والأوروبية وفق شرعية التعاون الإستراتيجي وبروتوكولات التنسيق الاستخباراتي العابر للحدود، حيث شكّلت المعلومات الدقيقة والضربات الاستباقية التي قدمتها الرباط للشركاء الأوروبيين صمام أمان حقيقي تجنبت معه العديد من العواصم الغربية حمامات دم محققة ومخططات إرهابية وشيكة كانت تستهدف أمن مواطنيها ومرافقها الحيوية.
إن هذا الحضور المغربي الوازن والموثوق، والذي تحظى كفاءته باعتراف وإشادة كبار المسؤولين الأمنيّين في القارة الأوروبية، هو ما يسعى الخصوم إلى التشويش عليه وشيطنته عبر تحويل الشراكة الأمنية المنقذة للأرواح إلى شماعة للإشاعات؛ مما يكشف عن حجم التخبط الذي تعيشه الأطراف المناوئة، والتي لجأت إلى المبالغة الفجة والتهويل الرقمي لتعويض عجزها عن استيعاب حجم الصلابة والمناعة البنيوية والسمعة الدولية الصافية التي تتمتع بها الأجهزة السيادية للمملكة المغربية.
أولا : بلاغ اليقظة السيادية وقراءة تقنية في تهافت الادعاءات الدخيلة
ويأتي بلاغ قطب المديرية العامة للأمن الوطني ومراقبة التراب الوطني ليعبر عن جاهزية المنظومة الأمنية المغربية، ويؤشر على مرحلة جديدة من المواجهة الهجينة التي تتجاوز النمط التقليدي نحو استهداف الرأسمال اللامادي للمملكة والمتمثل في الثقة المؤسساتية؛ حيث يقدم هذا التوضيح الرسمي قراءة تقنية تفكك الادعاءات الواهية وتكشف زيف الأراجيف المتداولة بشأن اختراق القواعد السيادية، والتي حاولت مجموعات قرصنة خارجية معروفة بعدائها، مثل تنظيم “جبروت” السيبراني بالتحالف مع أذرع إقليمية، الترويج لها عبر ادعاء تسريب قوائم اسمية تضم سبعين ألف موظف أمني، في محاولة للربط التعسفي والمكشوف بين المنظومة الدفاعية للمملكة والملفات المرتبطة بضغط الهجرة غير النظامية في واجهة ثغر سبتة المحتل.
وتكشف التحليلات الميدانية أن المعطيات الشخصية المنشورة لا تتجاوز كونها بيانات قديمة جرى تجميعها من قطاعات خدمية ومؤسسات تأمينية صحية واجتماعية خاصة، وتوظيفها بشكل تضليلي لإعطائها صبغة أمنية كاذبة.
وتفضح العيوب البنيوية للوثائق المصاحبة، من رتب عسكرية دخيلة وأزياء غريبة عن المنظومة المغربية وأخطاء لغوية فادحة، غياب أدنى مقومات الحبكة والواقعية. ويرتبط هذا المسعى اليائس بحسابات إقليمية ضيقة تسعى إلى النيل من السمعة الدولية للمملكة كقطب للأمن والاستقرار، غير أن اليقظة القانونية والتقنية، المتمثلة في الفصل التام للأنظمة الحساسة عبر بروتوكول “العزل الفيزيائي التام” (Air-Gapping) والاعتماد الصارم على آلية “الصوامع المعلوماتية المغلقة” (Information Silos)، تحول دون تحقيق هذه المناورات لأهدافها، وتؤكد متانة الردع السيبراني المغربي في صيانة المصالح العليا للدولة.
ثانيا : التهويل الرقمي المسيس وصناعة الإثارة في بيئة المنصات المناوئة
تتقاطع هندسة التعاطي الإعلامي لبعض المنصات الإخبارية مع مخططات القرصنة الرقمية المزورة لتكشف عن طبيعة التنسيق العملياتي الموجه لتسويق المادة الزائفة عبر ما يُعرف علميا بـ “التدوير الممنهج للمواد الزائفة”؛ إذ تتجاوز هذه البيئات النقل الخبري العفوي إلى الاستثمار العمدي في آليات “التضخيم الخوارزمي الموجه”، من خلال التلقف السريع لإشاعة “السبعين ألف اسم” وإعادة تدويرها كمعطيات قطعية دون إخضاعها لبروتوكولات التحقق المهنية المعمول بها دوليا، وفي مقدمتها معايير الشبكة الدولية لتدقيق الحقائق (IFCN).
ويمكن تفكيك هذه العملية الهجينة عبر مسار عملياتي متكامل ينطلق إجرائيا من مرحلة التجميع والتزوير عن طريق دمج قواعد بيانات خدمية وتأمينية قديمة وصياغة رتب وهمية لتصنيع مادة خام تكتسي صبغة أمنية كاذبة، ليتلوها الإطلاق السيبراني المباشر عبر بث تلك المعطيات في حسابات تنظيم “جباروت” على شبكات الفضاء المظلم لإيهام المتابعين بحدوث اختراق رقمي سيادي، ثم تفعيل الضغط الخوارزمي بتشغيل آلاف الحسابات الآلية لتكثيف التفاعل وإجبار خوارزميات المنصات الاجتماعية على رفع المحتوى المصنوع إلى واجهة الأحداث الأكثر تداولا.
ويمتد هذا التدفق المنظم ليتوج بالتوظيف الإعلامي المسيس الذي تتكفل به مكبرات صوت إعلامية دولية مرموقة ك لوموند و إسبانيول و إل باييس و الكونفيدونسيال و لاراثون تسخر منابرها لخدمة أجندات إقليمية مناوئة وتتلاقى في أهدافها الخبيثة مع دوائر انفصالية؛ حيث تعمد إلى تأطير الرقم المدعى سياقيا لربطه المفتعل بملفات إدارة الهجرة غير النظامية في واجهة ثغر سبتة المحتل بغية ممارسة ضغط اتصالي وسياسي على الشركاء الأوروبيين، قبل أن ينكشف مرماها النهائي عبر تصعيد الخطاب الرقمي نحو المطالبة بإقالة القيادات الأمنية الرفيعة المستوى في محاولة لتقويض الثقة المؤسساتية وتفكيك المنظومة الأمنية للمملكة وإضعاف حركيتها الرادعة خدمة الأجندات الإقليمية و المنظمات الإرهابية و الإنفصالية .
ويسهم هذا التلاحم البنيوي بين التضليل الإعلامي والقرصنة المزورة في تحويل تلك المنصات والمكبرات الصوتية إلى أذرع اتصالية فاعلة ضمن “الحرب المعرفية الهجينة”، حيث يجري توظيف تقنيات التلاعب بالأطر المعرفية وتكرار السرديات الخادعة لزعزعة اليقين وصناعة “قلق أمني مصطنع” يستهدف ارتياب الشركاء الدوليين والتأثير في الرأي العام. غير أن هذه المخططات تصطدم في نهايتها بالتحييد السيادي الصارم المتجلي في بلاغ اليقظة الصادر عن قطب المديرية العامة للأمن الوطني ومراقبة التراب الوطني، والذي يفعل آليات الردع التقني والقانوني ويثبت الاستحالة المطلقة لهذه الأراجيف، صيانة للرأسمال اللامادي للمملكة والمتمثل في التماسك المؤسساتي المتين تحت القيادة الرشيدة لجلالة الملك محمد السادس.
ثالثا : العقيدة الاستخباراتية الدولية وضوابط الفصل البنيوي لحماية المنظومات
يفضي التحليل العلمي والتقييم الأكاديمي، المستند إلى أدبيات العقيدة الاستخباراتية الدولية، إلى دحض الأسس البنيوية لهذا الرقم الضخم وسقوطه من الناحية المنطقية والعملياتية.
فمن المنظور الهيكلي، يمثل تجميع هذا الحجم من المنتسبين المفترضين فبركة سياقية تتناقض بنيويا مع طرائق التوزيع الشبكي وقواعد العمل الميداني للأجهزة السيادية.
وفي هذا الصدد، تبطل القواعد الأمنية المعتمدة دوليا، وفي طليعتها وثيقة السياسة الأمنية الصادرة عن مجلس حلف شمال الأطلسي (NAC) تحت رمز C-M(2002)49 والمؤرخة في 17 يونيو 2002، فرضية وجود لوائح موحدة بهذا الكم العددي في ملفات معلوماتية مشتركة؛ نظرا لخضوع الأنظمة السلوكية والإدارية الحساسة عالميا لمعيار “الحاجة إلى المعرفة” (Need-to-Know)،
وهو بروتوكول صارم يحظر تقنيا دمج هويات المنتسبين في فضاء رقمي واحد قابل للاختراق البيني، ويفرض عزلا معلوماتيا صارما بين مختلف الوحدات العملياتية.
ويأتي كتاب “الحرب الصامتة: فهم عالم الاستخبارات”
(Silent Warfare: Understanding the World of Intelligence) للأكاديميين والأمنيين الأمريكيين أبراهام
شولسكي وغاري شميت (المرتبطين بوزارة الدفاع ومجلس الأمن القومي الأمريكي) كأحد أبرز المراجع الأكاديمية الكلاسيكية التي فككت العقيدة التشغيلية لأجهزة الأمن والاستخبارات المعاصرة. وتحديدا في فصول مكافحة التجسس والاستخبارات المضادة (Counterintelligence)، يوضح المؤلفان أن التحصين السيادي للأجهزة لا يتأسس على حماية قواعد البيانات بعد تجميعها، بل على منع تجميعها أصلا عبر آلية “الصوامع المعلوماتية المغلقة” (Information Silos).
وتفرض “التجزئة المقسمة” (Compartmentalization) الحاكمة في أدبيات الكتاب عزلا وظيفيا وأفقيا تاما، يمنع تقنيا تكوين أي “وعاء رقمي مركزي شامل” يدمج الهويات العملياتية للمنتسبين؛ إذ إن الضابط في وحدة عملياتية محددة لا يملك الصلاحية الأمنية أو التقنية للاطلاع على هوية زميله في وحدة أخرى.
وبناء على هذه العقيدة الدولية، فإن نفي صحة هذا الاختراق المزعوم يتأسس على غياب الوعاء الرقمي المشترك أصلا داخل بنية الدولة؛ فمن يستحيل عليه التجمع هيكليا، يستحيل عليه الانكشاف رقميا.
وتكشف المعطيات المسرّبة سقوط مروجيها في فخ الخلط المفاهيمي الحاد الذي فككه كتاب “الحرب الصامتة” بين “المعطيات الخدمية والإدارية الخام” (Raw Data) وبين “المنتج الاستخباراتي والعملياتي المصنف” (Intelligence Product)
؛ فالقوائم المنشورة لا تعدو كونها بيانات خدمية مدنية جرى تجميعها من قطاعات عامة، وتمت فبركتها عبر هندسة تكتيك الخداع والتضليل الموجه (Deception) المصمم في مطابخ الحرب النفسية لصناعة ارتياب مصطنع لدى الشركاء الدوليين والإيحاء بوجود خرق لهياكل التنسيق المشترك.
وتحيّد هذه الحقائق الهيكلية الأثر المرجو من تلك الحملات أمام معايير التحقق الصارمة في البيئة الدولية المعاصرة، والتي تعي جيدا طبيعة بروتوكولات الحماية المعتمدة في المملكة المغربية، والقائمة على آلية “العزل الفيزيائي التام” (Air-Gapping) لقواعد البيانات الحساسة عن الشبكات المفتوحة؛ مما يحصن الهوية العملياتية للمؤسسة الأمنية، ويحرم تلك الحملات الموجهة من القدرة على التأثير في التوازنات الجيوسياسية الإقليمية أو المساس بالرأسمال اللامادي للمملكة والمتمثل في الثقة المؤسساتية المتينة.
رابعا : حقيقة الأرقام والتدفقات: كيف تسقط الإشاعة أمام المنطق ؟
وينكشف التضخيم الخيالي والخلل البنيوي الصارخ لادعاء السبعين ألف اسم فور إخضاعه لنماذج الحوكمة المالية الدولية، ونظرية اقتصاديات الدفاع، ومعايير تنظيم العمليات الاستخباراتية الخارجية العابرة للحدود.
فمن الناحية العملياتية، توضح المقارنة المعيارية والقياس العلمي على قواعد تنظيم العمل السري ونطاق السيطرة الآمنة (Span of Control) الموثقة في السجلات المهنية لعام 2004 للجان شؤون الاستخبارات الدولية المنشورة عبر السجل الفيدرالي للحكومة الأمريكية GovInfo أن معايير الأمن الدولية تفرض حد تواصل مقيد لا يتجاوز ضابط حالة ميدانيا واحدا (Case Officer) لكل ثلاثة أو أربعة متعاونين كحد أقصى، تفاديا للانكشاف المتسلسل للشعب وتأمينا لخطوط الإمداد المعلوماتي.
وبناء على هذا القياس الرياضي الهيكلي، فإن إدارة وتنفيذ عملية استخباراتية بهذا الحجم تتطلب عملياتيا ولوجستيا تجنيد وتوجيه نحو عشرين ألف ضابط حالة في الميدان الأجنبي، برصد كلفة تشغيلية وتكتيكية سنوية إجمالية تفوق أربعة مليار دولار أمريكي وفق النماذج القياسية الواردة في تقارير مكتب المفتش العام الأمريكي الصادر في نوفمبر 2017 OIG حول هيكلة نفقات الأجهزة السيادية والمعادلات الحسابية للأجور والبدلات اللوجستية الخارجية.
ويتطابق هذا الطرح مع الأطروحة الأكاديمية الصارمة التي صاغها الخبير الدولي والمدير السابق للتحليل بوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية “مارك لوفينتال” (Mark Lowenthal) في مؤلفه المرجعي: الاستخبارات: من الأسرار إلى السياسات “Intelligence: From Secrets to Policy”؛ حيث يبرهن علميا على أن “إدارة دورة الموارد الاستخباراتية” (Resource Management) تخضع عالميا لقيود ميزانياتية صلبة تمنع نشوء “موازنات سوداء موازية” (Black Budgets) دون إحداث فجوة محاسبية مكشوفة في الحسابات القومية للدول. وهي ذات الخلاصة الهيكلية التي يؤصلها البروفيسور “مايكل وارنر” (Michael Warner) في دراساته حول حوكمة العقائد الأمنية، مؤكدا أن الأجهزة السيادية لا يمكنها عزل تدفقاتها اللوجستية عن النظام المحاسبي الكلي للدولة.
ويأتي الاستشهاد بهذه النماذج القياسية والتقارير الدولية هنا بما فيها ضوابط صندوق النقد الدولي لعام 2022 IMF eLibrary ومخرجات معهد الاتحاد الأوروبي للدراسات الأمنية EUISS (مايو 2015)، وتقارير تقييم كلفة الدفاع الصادرة عن مؤسسة RAND Corporation ليس من باب إسقاطها القسري على المنظومة السيادية للمملكة المغربية، بل كأداة علمية للقياس العكسي ولإثبات الاستحالة الرياضية المطلقة؛ فإذا كانت الميزانيات الفلكية للقوى العظمى ومؤسسات الحوكمة النقدية العالمية تؤكد تقنيا ومؤسساتيا استحالة إدارة وتنفيذ عملية استخباراتية بهذا الحجم، أو تسييل وتحريك هذه الكتل المالية الفلكية العابرة للحدود دون ترك أثر حسابي مرصود (Financial Footprint) ينعكس بالضرورة في الحسابات الختامية ويخل بالتوازنات الكلية لميزان المدفوعات المستقل، فإن تمريرها أو تعمية آليات التمويل المرتبطة بها في إطار قانون المالية المغربي يعد مستحيلا عمليا و حسابيا.
وتتعزز هذه الاستحالة بالرجوع إلى دراسات “الإنتاج والاستخدام الأمني الموجه” الصادرة عن صندوق النقد الدولي في أكتوبر 2021 IMF Book المحددة لآليات ضبط الشبكات المالية، والقواعد الصارمة لإدارة أموال الطوارئ الموثقة في “دليل القانون العملياتي” الصادر عن كلية الجنايات العسكرية بالجيش الأمريكي لعام 2024 TJAGLCS Manual، والتحليلات البنيوية المنشورة في مركز الأبحاث الدولي ResearchGate حول حكامة موازنات الدفاع والأمن الوطني؛ إذ تجمع هذه المرجعيات الدولية على أن ضوابط مجموعة العمل المالي العالمية (FATF) وشبكات الامتثال المصرفي الدولي تجعل من التستر على تدفقات نقدية بهذا الحجم أمرا مستحيلا من الناحية التقنية. وبناء عليه، فإن الصياغة الميزانياتية للرقم المدعى تفتقر للحد الأدنى من الحصافة الاقتصادية وتنفصل تماما عن أبجديات إدارة الموارد والكتل المالية في العقائد العسكرية والوظائف السيادية، مما يحيد الأثر العملياتي لهذه الإشاعة ويسقطها علميا وموضوعيا أمام صرامة المنظومة المالية الدولية وضوابط الحكامة الدستورية للمملكة المغربية.
خامسا : الردع المؤسساتي ورهانات السيادة المستدامة
توضح القراءة العميقة في أبعاد هذه الحملات وتداعيات المناورات الرقمية المزورة التهافت الصريح للهجمات السيبرانية أمام صلابة الدولة المغربية وتماسك بنيتها السيادية.
وتثبت حالة انكسار الإشاعات وسقوط الوثائق المجهزة في مطابخ العداء الإقليمي أمام صرامة البرهنة التقنية، وضوابط العزل البنيوي للشبكات، ومقاييس الحوكمة المالية الدولية، القوة الضاربة للعقيدة الأمنية للمملكة، ومناعة أجهزتها الاستخباراتية في دحر محاولات الاختراق والتشويش المعرفي.
وارتباطا بفرض القوة السيادية على الأرض، يكرس البلاغ الصادر عن قطب المديرية العامة للأمن الوطني ومراقبة التراب الوطني التفوق الميداني والاتصالي للمملكة عبر نهج أسلوب الحزم والردع المباشر، وتجاوز حدود الفعل الدفاعي نحو تحييد أوهام الاختراق وتفكيك مراميها الخبيثة في مهدها.
وبناء على هذه الحقائق الراسخة، تتأكد الريادة المطلقة للمملكة المغربية كحصن إقليمي وقوة إستراتيجية في المنطقة، اعتمادا على الانصهار التام بين العرش والشعب والمؤسسات السيادية، وتحت القيادة الرشيدة لجلالة الملك محمد السادس، حيث يتحول الاستقرار الوطني والرأسمال اللامادي إلى جدار صلب تتكسر عليه كل المؤامرات، وتتحطم أمامه أوهام الخصوم.


