أريري: العثماني لبنكيران: “مات البيجيدي والسلام”!
كتبها: الصحفي عبد الرحيم أريري
ترافق شيخان في سفر، وكان أحدهما ثرثارا، وكان الآخر يحب الاختصار، فلما وصلا إلى المكان الذي كانا يقصدانه، أحس الثرثار برأسه يلتهب من الحمى، فسقط مريضا.
وبعد بضعة أيام، عزم رفيقه على العودة إلى بلده، فأراد الثرثار أن يحمله رسالة إلى أهله، لأن المرض أعجزه عن العودة.
قال الثرثار لرفيقه: “قل لأهلي: لقد أصابه صداع في رأسه، وألم في أضراسه، وقد فترت يداه وتورّمت رجلاه، وانحلّت ركبتاه، وأصابه وجع في ظهره، وخفقان في قلبه، وسكتة في لسانه”.
فقال الرفيق: “يا سيدي الشيخ، أنا رجل أكره أن أطيل الكلام، ولذلك سأقول لهم: “مات والسلام!”.
تتطابق شخصيتا هذه القصة مع شخصيتي عبد الإله بنكيران وسعد الدين العثماني اللذين قادا الحكومة باسم حزب “البيجيدي” لعشر سنوات، بل هما «نسخة كربونية» منها، ويسهل على القارئ تحديد وتمييز من هو “الثرثار” ومن هو “محب الاختصار” من بين “الزعيمين”!!
بين الزعيمين تشابه كثير على مستوى المواقف السياسية، وهذا طبيعي لأنهما عاشا تحت سقف جماعة “التوحيد والإصلاح” بميكانيزماتها وآلياتها المتشددة، فهي تشبه “قاعدة حربية” أو “الجناح العسكري” لحزب العدالة والتنمية، وداخل غرفها “السرية” تطبخ القرارات، وتوزع التعيينات، وتفصل المناصب حسب درجات الولاء والطاعة، لكنهما يختلفان في الطباع.
فبنكيران طويل اللسان ومعاند ومشاكس ومندفع وصدامي ومتقلب ولا يستقر على حال.
أما العثماني فهو انطوائي وصموت ومسالم ووديع و”غادي مع الحايط”.. بنكيران هو “الثرثار”، والعثماني هو “محب للاختصار”. الأول “بوهالي” و”ضاربو الله” و”مطيح الأوراق”و”ساكنو سيدي الهضري”، والثاني “ضارباه المسكوتة”. لكنهما “بجوج راضعين من بزّولة وحدة”!!
المتأمل لمسار الكوبل “بنكيران والعثماني” يلاحظ أن الزعيمين كانا يشبهان كفّتي ميزان حزب البيجيدي، كل مرة تميل الكفة لصالح أحدهما. بالأمس كانت الكفة في صالح العثماني يوم تسيّد الأمانة العامة للحزب، لكن سرعان ما مالت إلى بنكيران الذي أطاح بالعثماني، وأصبح هو صاحب الأمر والنهي بالحزب، وقفز من رئاسة الحزب إلى رئاسة الحكومة.
لكن لكل شخصية عيوبها.
فعناد بنكيران “المشاكس” هو ما مهد للعثماني “المهادن” الطريق لرئاسة الحكومة على ظهر بنكيران بعد مخاض البلوكاج الحكومي الشهير.
الزعيمان بالمنطق الرياضي، أولهما يشكل “زاوية حادة”، وثانيهما يشكل “زاوية قائمة”.. وبالمنطق “النّفسيلوجي” و”السيكوأنتربوفلكوسوسيوفيزيولوجي”، أولهما مصاب بجنون العظمة وبالغرور و يعتنق ديانة”أنا وحدي مضوي البلاد”، وثانيهما انطوائي ومصاب بمرض الوسواس القهري والرعدة وبوقفقاف، لكن الاثنين كانت تتصارع داخلهما الأفكار المتناقضة، وقالبان جاهزان للحشو، لذلك لاحظ المتتبعون أن مواقفهما كانت تتميز بالتذبذب حسب الموقع الذي يشغله كل واحد منهما: هل داخل مربع السلطة أم خارجها، كما كانت تتميز بالتأرجح حسب اتجاه الرياح وأمواج السياسة العاتية.
فسواء أكان بنكيران هو «الثرثار»، والعثماني هو «محبّ الاختصار»، فهما معا كانا يجران «النّاعورة» نفسها بإيقاعين مختلفين. إيقاع بنكيران “كوميدي شعبوي” و”حلايقي”، وإيقاع العثماني “تراجيدي”. فهما نموذجان صارخان لجيل من “الزّوعما” الذين أحببنا أم كرهنا استأنسنا بهم، وأصبحنا لا نتخيل الحياة السياسية بدون وجود “لشكر” و”بركة” و”فاطمة الزهراء” و”بنكيران” و”بنعبد الله” و”أوزين”، وبقية “العناصر” الأخرى “المشاغبة” التي حولت السياسة إلى مسرح للفرجة والإفلاس والتسطيح!!
ما يحسب للعثماني هو أنه كان يطبق حرفيا معنى الحكمة “النبيلة”: الفم المسدود مكيدخلوش الذبان، مستفيدا من زلات بنكيران الذي امتلأت أوداجه بالذبان والناموس والديدان وبوجعران وبوبريس.
وإذا كان المغاربة قد يئسوا من “طنين” ذباب بنكيران في “اللايفات”، فلا تنتظروا من العثماني إغلاق عيادته أو إغماضه عين أو رفّة رمش، بل سيأتي ليحمل لكم رسالة طويلة من بنكيران “الثرثار”، يختصرها في نصف سطر “أقول لهم: مات البيجيدي والسلام!!”.

