سباق نحو الصناديق في الحلبة الخلفية: حين تصبح الحملات الانتخابية سابقة لأوانها ويبقى القانون معلقاً.
سباق نحو الصناديق في الحلبة الخلفية: حين تصبح الحملات الانتخابية سابقة لأوانها ويبقى القانون معلقاً.
كتبها: جمال الدين ريان
تشهد الساحة السياسية حالة من الانفلات التنظيمي مع تسابق العديد من الفاعلين السياسيين والترشيحات المحتملة لتدشين تحركاتهم الميدانية والرقمنة والتواصل الجماهيري تحت غطاء “الأنشطة الحزبية العادية”، في خرجات تتضمن كل مقومات الحملات الانتخابية المبكرة. هذا المشهد يطرح تساؤلات حارقة حول مدى احترام الضوابط المؤطرة للعمليات الانتخابية، وما إذا كان صمت السلطات المعنية يعكس عجزاً عن الضبط أم تغاضياً يضر بتكافؤ الفرص.
خرق مبدأ تكافؤ الفرص والدوس على النصوص
ينص القانون الإطار والتشريعات المنظمة للاقتراع بوضوح على تحديد فترة زمنية دقيقة للحملات الانتخابية، تنطلق في تاريخ محدد وتنتهي عشية يوم الاقتراع.
الهدف من هذا التحديد ليس تنظيمياً فحسب، بل هو ضمان أساسي لمنع استغلال المال النفوذ والموارد وشراء الأصوات المبكر.
لكن الواقع الحالي يظهر التفافاً صريحاً على هذه المقتضيات:
* تنزيل استراتيجيات القرب القسرية: تنظيم قوافل طبية، وتوزيع مساعدات، واستغلال المناسبات الاجتماعية تحت يافطة العمل الجمعوي أو الحزبي، بينما الهدف الحقيقي هو استمالة الناخبين بشكل مسبق.
* السيولة المالية وحرية التمويل: إغداق الأموال على الإعلانات الممولة في شبكات التواصل الاجتماعي والأنشطة الميدانية المكثفة دون خضوع هذه المصاريف لسقوف التمويل الانتخابي التي ينص عليها القانون.
* غياب الرقابة الصارمة: اكتفاء الجهات الوصية بموقف الملاحظ، مما يمنح الأطراف المترشحة نفوذاً إضافياً على حساب الكفاءات الشابة والأحزاب ذات الإمكانيات المحدودة التي تلتزم بالضوابط القانونية.
هل نحن أمام سيناريو إلغاء انتخابات 23 شتنبر؟
من الناحية القانونية والسياسية، لا ينطوي خرق فترات الحملة الانتخابية المبكرة على قرار إلغاء الاستحقاق الانتخابي كاملاً، لأن تنظيم الاستحقاقات في مواعيدها الدستورية يعد من التزامات الدولة السيادية وشرعيتها المؤسساتية.
إلغاء الانتخابات أو تأجيلها يحتاج إلى ظروف استثنائية قاهرة، وهو ما لا تنطبق عليه ممارسات الفساد السياسي أو تجاوز القوانين الإجرائية.
لكن المترتب الحقوقي والقانوني الحقيقي لهذه التجاوزات يتجلى في نقطتين أساسيتين:
* الطعون القضائية وإلغاء المقاعد: تشكل هذه التحركات المبكرة وثائق وإثباتات دامغة يمكن اعتمادها أمام القضاء الدستوري والمحاكم الإدارية بعد ظهور النتائج، لإلغاء إعلان فوز المقاعد للذين ثبت تورطهم في استغلال النفوذ أو القيام بحملات غير مشروعة خارج إطارها الزمني.
* أزمة المشروعية والنزاهة: الاستمرار في غض الطرف يفقد الاستحقاق الانتخابي مصداقيته الشعبية، ويؤدي إلى رفع معدلات العزوف السياسي، حيث يشعر المواطن أن نتائج الاقتراع تُحسم مسبقاً لصالح من يملك القدرة على خرق القانون دون محاسبة.
المطلوب اليوم ليس التلويح بإلغاء المحطات الانتخابية، بل التحرك الفوري للجهات القضائية والسلطات الوصية لتفعيل أجهزة الرقابة، وزجر المخالفات، وإعادة الهيبة للقوانين المؤطرة للاقتراع لضمان تنافس شريف يحتكم لبرامج واضحة وليس للممارسات الالتفافية.
