15 مليون صوت.. من سيصنع البرلمان القادم؟
سياسي : رشيد لمسلم
من التسجيل إلى التصويت.. حين يتحول الواجب الوطني إلى قوة تصنع القرار
ليست 15 مليونا و801 ألفا و162 ناخبا، مجرد رقم في لوائح انتخابية، وليست كتلة بشرية تُستحضر في الإحصاءات ثم تُنسى عند لحظة الاقتراع.
إنها، في جوهرها، قوة سياسية كامنة، قادرة ــ إذا تحولت من مجرد تسجيل إلى مشاركة فعلية ــ على إعادة رسم ملامح المشهد السياسي والنيابي، وتحديد من يملك حق الحديث باسم المواطنين تحت قبة البرلمان.
هنا تحديدا تكمن أهمية المرحلة المقبلة: من سيقرر شكل البرلمان القادم؟
هل ستظل الخريطة السياسية رهينة نسب المشاركة المحدودة، أم أن ملايين الناخبين سيقررون النزول إلى صناديق الاقتراع واستخدام أصواتهم لصناعة تمثيلية تعكس اختياراتهم الحقيقية وتطلعاتهم إلى المستقبل؟
إن الانتخابات ليست يوما عابرا في أجندة الدولة، وليست مجرد تنافس بين مرشحين وأحزاب.
إنها لحظة تختبر فيها الديموقراطية قدرتها على تحويل إرادة المواطنين إلى مؤسسات، وتحويل البرامج إلى سياسات، وتحويل الوعود إلى التزامات قابلة للمحاسبة. ولهذا، فإن الواجب الوطني يبدأ من صندوق الاقتراع.
فالتسجيل في اللوائح الانتخابية خطوة مهمة، لكنه لا يكتمل إلا بالمشاركة.
والصوت الذي لا يُستخدم يترك المجال لغيره كي يقرر نيابة عن صاحبه.
أما المشاركة الواعية، فهي التي تمنح المواطن موقعا حقيقيا في صناعة القرار، وتجعل من الانتخابات أداة لتصحيح المسار، وتجديد النخب، ومحاسبة من أخفق، ومنح الثقة لمن يستحقها.
والتحدي اليوم ليس في بلوغ رقم كبير في سجلات الناخبين، وإنما في تحويل هذه الكتلة الانتخابية إلى قوة اقتراح وتغيير ومساءلة.
فالمواطن لا يحتاج إلى خطابات انتخابية منمقة بقدر حاجته إلى برامج واضحة، وحلول واقعية، ومرشحين يمتلكون الكفاءة والنزاهة والقدرة على تحمل المسؤولية.
لقد تغيرت أولويات المجتمع، وأصبح الناخب أكثر حاجة إلى إجابات عملية عن أسئلة تمس حياته اليومية: كيف نخلق فرص عمل حقيقية للشباب؟
كيف نرفع جودة التعليم والصحة؟ كيف نحسن الخدمات العمومية؟ كيف ندعم الاستثمار والمقاولة؟ كيف نضمن تمكين النساء اقتصاديًا؟ وكيف نحقق تنمية أكثر عدالة بين الجهات والمجالات؟
هذه الأسئلة هي التي ينبغي أن تكون في قلب المنافسة الانتخابية، لا الشعارات التي تنتهي بانتهاء الحملة.
ومن داخل المؤسسة البرلمانية، ستظهر قيمة المشاركة الشعبية الحقيقية.
فكلما كانت التمثيلية نابعة من مشاركة واسعة وواعية، ازدادت مسؤولية المنتخبين أمام المواطنين، وأصبح الأداء التشريعي والرقابي تحت مجهر المحاسبة الشعبية.
أما حين تتراجع المشاركة، فإن المسافة بين المؤسسات والمجتمع تصبح أكبر، وتفقد العملية السياسية جزء مهما من قدرتها على التعبير عن نبض المواطنين.
لذلك، فإن الـ 15 مليونا و801 ألفا و162 ناخب ليسوا جمهورا ينتظر نتائج الانتخابات، بل هم أصحاب القرار الأول فيها.
هم من يملكون مفتاح الخريطة السياسية المقبلة.
وهم من يستطيعون أن يجعلوا الكفاءة معيارا، والبرنامج أساسا، والمصلحة العامة أولوية.
وهم أيضا من يستطيعون أن يوجهوا رسالة واضحة إلى كل من يطلب ثقتهم: التمثيل مسؤولية، والانتخاب تفويض، والتفويض مشروط بالإنجاز والمحاسبة.
إن قوة الديموقراطية لا تقاس فقط بعدد المسجلين في اللوائح، وإنما بعدد الذين يؤمنون بأن أصواتهم قادرة على إحداث الفرق.
والديموقراطية لا تصبح قوية بمجرد وجود المؤسسات، بل تصبح قوية عندما يشعر المواطن أن مشاركته مؤثرة، وأن صوته مسموع، وأن اختياره قادر على صناعة المستقبل.
من هنا، تتحول كتلة الـ15 مليونا من مجرد رقم انتخابي إلى استحقاق وطني كبير.
إنها لحظة الاختيار بين اللامبالاة والمشاركة، بين ترك الآخرين يقررون وبين ممارسة الحق في تقرير المستقبل، وبين التعامل مع الانتخابات كموعد موسمي وبين إدراكها باعتبارها واحدة من أهم أدوات التغيير السلمي والديموقراطي.
فمن سيصنع البرلمان القادم؟
الجواب لن تكتبه الحملات الانتخابية وحدها، ولن تحدده الشعارات ولا استطلاعات الرأي.
الجواب سيكتبه الناخبون بأصواتهم.
وعندما تتحول الـ15 مليونا من كتلة صامتة إلى قوة مشاركة، يصبح صندوق الاقتراع أكثر من مجرد صندوق؛ يصبح مساحة حقيقية لرسم ملامح المستقبل، وتجديد الثقة، وتصحيح المسار، وصناعة برلمان يستمد قوته من إرادة المواطنين.
وهنا يبدأ الواجب الوطني… من صوت واحد، قد يصنع الفرق.

