«نازا”

حديث الأربعاء

«نازا”

كتبها: عبد الرفيع حمضي 

خلال الثمانينيات، بمدينة وزان، كنت منخرطا في النادي السينمائي.

كانت بطاقة الانخراط تكلفنا 240 ريالا، فلم نكن يومها نتحدث بالدرهم بعد ،وتسمح لنا بمشاهدة فيلم يوم الاحد . لكن الحكاية لم تكن تنتهي بانتهاء العرض؛ إذ كانت تتبعه مناقشات حادة أحيانا، سرعان ما تتجاوز الجوانب الفنية إلى السياسة والإيديولوجيا، فنخرج من القاعة بأسئلة أكثر مما حملناه عند دخولها.

وطيلة الأسبوع، كان النادي ينظم لنا بدار الشباب أوراشا لتعلم قراءة الفيلم: كيف يكتب السيناريو؟ وما وظيفة الإضاءة؟ وكيف تتحول حركة الكاميرا إلى لغة؟ كان يؤطرنا أساتذة أجلاء، متطوعون، علمونا أن السينما ليست مجرد حكاية تعرض على الشاشة، بل فن له لغته، وصناعة لها أسرارها.

كانت أفلام أوروبا الشرقية حاضرة بقوة، إلى جانب سينمات أخرى.

أستحضر «سائق التاكسي» (Taxi Driver) لمارتن سكورسيزي، و«حالة حصار» (État de siège) لكوستا غافراس، الذي تناول التدخل الأمريكي في أمريكا اللاتينية. أما المغرب، فلم يكن ينتج، في المتوسط، سوى فيلم كل سنة ونصف.

هناك تعرفنا على أفكار السينمائي البرازيلي غلاوبر روشا، الذي كان يرى أن التخلف الاقتصادي لا يحكم على الشعوب بإنتاج فن متخلف.

وتعلمنا أن قيمة السينما لا تقاس بعدد بحجم الميزانيات، بل بما تتركه من أثر في الإنسان والمجتمع.

استعدت هذه الذكريات وأنا أتابع الضجة التي أحدثها الفيلم الوثائقي الإسرائيلي «نازا» (NAZA)، الذي أخرجه يوفال أبراهام وراشيل سور، وحاز جائزة لجنة التحكيم الخاصة بمهرجان البندقية هذا الشهر.

على امتداد ثلاث سنوات، جمع المخرجان شهادات أربعة وعشرين جنديا وضابط استخبارات إسرائيليا، صورت ليلا مع إخفاء هويات أصحابها.

تحدثوا عن اختيار الأهداف في غزة، واستخدام الذكاء الاصطناعي، وحساب أعداد المدنيين المتوقع قتلهم في الغارات. بل إن عنوان الفيلم نفسه مأخوذ من اختصار عسكري يشير إلى الخسائر المدنية المتوقعة. 

المفارقة أن الفلسطينيين لم ينتظروا هذا الفيلم ليكشفوا للعالم ما يجري في غزة. فقد وثق صحفيوهم، بالكاميرا والهاتف، قتل الأطفال والنساء، وتدمير البيوت والمستشفيات. لكن حين جاءت الشهادات من داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، تحولت إلى قضية سياسية داخل إسرائيل نفسها.

هاجم نتنياهو المخرجين، وطالب وزير الثقافة بسحب جنسيتهما. 

وليست هذه أول مرة تخرج فيها السينما من قاعات العرض لتدخل مكاتب الحكومات.

سنة 1980، عرض التلفزيون البريطاني فيلم «موت أميرة»، الذي تناول قصة إعدام الأميرة السعودية مشاعل بنت فهد. أثار الفيلم أزمة دبلوماسية بين السعودية وبريطانيا، انتهت بمغادرة السفير البريطاني المملكة.

وبعد أربعة وأربعين عاما، جاء الفيلم الهندي «حياة الماعز»، المقتبس من رواية بنيامين، ليروي مأساة عامل مهاجر في الصحراء السعودية، ويعيد النقاش حول حقوق العمال ونظام الكفالة.

وفي السينما العربية، قدم عاطف الطيب سنة 1986 فيلم «البريء»، من تأليف وحيد حامد وبطولة أحمد زكي.

حكاية مجند يكتشف أن الطاعة قد تتحول إلى أداة للظلم. تعرضت نهايته الأصلية للحذف، ولم تعرض كاملة إلا بعد سنوات.

هذه الأفلام تذكرنا بأن السينما صناعة للذاكرة . وقد تتحول الصورة إلى وثيقة تاريخية، وإلى سؤال سياسي يصعب إسكاته.

وبين ما يقال وما لا يقال، ربما لا يكون السؤال لماذا أثار «نازا» كل هذه الضجة، بل لماذا احتاج العالم إلى شهادات جنود إسرائيليين لكي يعيد الإصغاء إلى مأساة ظل الفلسطينيون يروونها، بأرواحهم في الواقع وليس في السينما

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*