أتاي الاحد
بنكيران… عين على 2027
كتبها: عبد الرفيع حمضي
لا يحتاج عبد الإله بنكيران إلى دخول حكومة المنصوري حتى يحقق ما يريده في المرحلة المقبلة.
فقد تكون الحكومة، بما تفرضه من التزامات وتسويات، عائقا أمام هدف أقرب إلى حسابات حزبه: انتخابات الجماعات المحلية سنة 2027.
ومن هذه الزاوية، يصبح اختيار المعارضة استعدادا لمعركة أخرى، تخاض في الأحياء والمدن والقرى، حيث تبنى العلاقة اليومية بالمجتمع، ويتحول الحضور السياسي إلى نفوذ مستمر.
سي عبد الإلاه يعرف أن الطريق إلى استعادة قوة العدالة والتنمية يمر عبر إعادة وصل الحزب بالناس.
فالجماعات المحلية تمنح التنظيم مواقع للعمل والاحتكاك، وتتيح لمنتخبيه الظهور في تفاصيل الحياة اليومية: النقل والنظافة والإنارة والتعمير والخدمات.
هناك يتعرف المواطن إلى الحزب من خلال أشخاص يراهم ويقصدهم ويحاسبهم. وهناك أيضا تبنى شبكات الثقة والمساندة التي يمكن أن تحمل الحزب إلى استحقاقات أخرى.
لهذا، تبدو المعارضة اليوم جزءا من التحضير لانتخابات الغد.
فالعودة إلى الحكومة ستلزم الحزب بالدفاع عن حصيلة أغلبية لا يقودها، وتحميله كلفة قرارات لا يملك وحده توجيهها، في وقت يحتاج فيه إلى خطاب مستقل وقدرة على استقطاب المتذمرين.
وبنكيران جرب رئاسة الحكومة، وعرف أن القرب من أصحاب القرار لا يعني امتلاك القرار، وأن المسؤولية الظاهرة قد تكون أوسع من القدرة الفعلية على التأثير.
ولعل الدرس الأعمق يعود إلى سنة 2011.
حيث كان للعدالة والتنمية، قبلها، تنظيم وحضور انتخابي وقاعدة اجتماعية، لكن وصوله إلى رئاسة الحكومة ارتبط أساسا بلحظة استثنائية صنعها الربيع العربي.
فقد التقت قوته التنظيمية مع احتجاج واسع على الأوضاع القائمة، ومع انتظار جواب سياسي جديد. حملته تلك اللحظة إلى موقع متقدم، من دون أن يعني ذلك أن المجتمع أصبح، بالقدر نفسه، حاضنة ثابتة لمشروعه.
ثم جاءت عشر سنوات من التدبير، وانتهت بهزيمة 2021، لتكشف هشاشة الرصيد الذي اعتقد الحزب أنه راكمه. فالناخب الذي يمنح صوته رغبة في التغيير يستطيع سحبه حين تخيب انتظاراته، والتأييد الذي تنتجه لحظة احتجاج لا يتحول تلقائيا إلى ولاء دائم.
وقد قرأ الزعيم الهزيمة ضمن تصور يعتبر أن الحزب مهدد بالاجتثاث، وهو تصور يفسر جانبا من انشغاله اللاحق بإعادة البناء وحماية الوجود التنظيمي.
من هنا، يمكن فهم رهانه الحالي: بناء جذور اجتماعية تجعل إزاحة الحزب أصعب من إسقاطه انتخابيا في لحظة واحدة.
وهذا الرهان ينسجم مع خلفيته ومع التقليد الحركي الذي نشأ فيه، حيث يشكل التأثير في المجتمع وقيمه وسلوكه وشبكات تضامنه أساسا للقوة السياسية.
فالموقع الحكومي قد يفقد بانتخابات، أما الحضور الراسخ بين الناس فيمنح التنظيم قدرة على الاستمرار واستعادة المبادرة.
غير أن هذا الاختيار يحتاج إلى ضبط الداخل أولا.
فالحزب الذي قاد الحكومة لولايتين متتاليتين يضم من ذاقوا حلاوة المسؤولية ويحنون إلى أجوائها، ومن يرون العودة إليها استثمارا للنتائج الانتخابية.
ويكفي سي عبدالإله أن يتأمل بعض صقور الحزب بالأمس، ليستحضر كيف تستطيع الادارة ترويض الصقور، وتحويل اندفاعها إلى استعداد لأداء أدوار خارج الإطار الحزبي.
لذلك، جاء إعلانه رفض المشاركة قبل اجتماع المجلس الوطني ليضيق مساحة الاختيار أمام المختلفين معه.
فبعد أن أعلن الزعيم موقفه، أصبح الدفاع عن المشاركة يتطلب مواجهة سلطته المعنوية أيضا.
لقد رفع كلفة الرأي المخالف، وربط وجهة الحزب بخيار المعارضة قبل أن يكتمل النقاش التنظيمي.
وفي السياق نفسه، يبدو التحفظ على لقاء المنصوري بمقر حزبها ليس إلا تعليلا إجرائيا لموقف سياسي أعمق. فمشاركة العدالة والتنمية في حكومة يقودها البام ستمنح خصومتهما التاريخية خاتمة مؤسساتية، وتكرس الاقرار بالأصالة والمعاصرة شريكا في التدبير.
وقد يخدم هذا التقارب ترتيبات الأغلبية، لكنه يربك حسابات بنكيران، الذي يحتاج إلى إبقاء الحدود واضحة وهو يستعد لمعركة الجماعات.
بهذا المعنى، فإن سنة 2027 هي الوجهة التي تمنح قراره الحالي منطقه.
يريد بنكيران أن يدخلها بحزب قادر على المعارضة والتعبئة واستعادة المواقع المحلية، بعيدا عن كلفة التضامن الحكومي.
وبين ما يقال وما لا يقال، يرفض بنكيران المشاركة في حكومة المنصوري، وعينه على جماعات 2027.
لقد تعلم أن موجة سياسية قد تحمل الحزب إلى الحكومة، لكنها لا تضمن بقاءه فيها.
لذلك، يريد هذه المرة أن يرسخ أقدامه في المجتمع، حيث تبنى القوة التي تحمي الحزب حين يفقد السلطة، وتمهد له طريق العودة إليها.
