المهدي بابا والثلاث حرامية
سياسي : الرباط
الحيجاوي ينسج الرواية، وجيراندو يبتلع الطّعم… و«الفالصو» يقلب المسرحية!
إذا كان الهدف من صناعة الفضائح هو إقناع الناس بأن كل رواية تقدم بصوت مرتفع هي حقيقة مطلقة، فإن حكاية «المهدي بابا والثلاث حرامية» تقدم مادة دسمة للسخرية والتشريح. فهنا، بحسب المعطيات المتداولة، لا يتعلق الأمر بمجرد فيديو مثير للجدل، بل برواية عن لقاء مزعوم بشخصية وازنة، وشخص يُقال إنه شبيه مزيّف بها، وتسريبات تنسب إلى «أطلس هاكرز» وتثير أسئلة محرجة حول طبيعة العلاقة بين المهدي الحيجاوي وهشام جيراندو، وحول الكواليس التي قد تقف وراء بعض المحتويات التي تصل إلى الجمهور.
والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل كان جيراندو يعتقد فعلا أنه التقى فؤاد عالي الهمة، أم أنه وقع ضحية رواية أُعدت له بعناية، وانتهى به الأمر إلى تسويق ما ظنه حقيقة؟
هنا تكمن المفارقة الساخرة: من يريد إقناع الناس بأنه يمتلك الأسرار، عليه أولا أن يتأكد من هوية الشخص الذي يقابله!
الحيجاوي وجيراندو… حين تنقلب الرواية على أصحابها
من خلال ما يُتداول بشأن تسريبات «أطلس هاكرز»، يبرز سؤال جوهري حول طبيعة العلاقة بين الحيجاوي وجيراندو: هل نحن أمام تبادل مستقل للمعلومات، أم أمام علاقة تتضمن توجيها وتنسيقا بشأن بعض الرسائل والمضامين المنشورة؟
لقد نشرت وسائل إعلام مغربية، في يونيو 2026، تقارير تناولت تسجيلات منسوبة إلى المجموعة، تحدثت عن خلافات بين الطرفين بشأن طريقة تقديم بعض الرسائل وإضافة عبارات لم تكن محل اتفاق مسبق.
وتبقى صحة التسجيلات ودلالاتها الكاملة مرتبطة بالفحص المستقل لمحتواها وسياقها… لكن إذا كانت هذه التسجيلات تعكس بالفعل ما نُسب إليها، فإنها تفتح بابا مشروعا للتساؤل عن مدى استقلالية الخطاب المنشور، وعن احتمال أن يكون بعض المحتوى ثمرة تنسيق خلف الكواليس، لا مجرد اجتهاد فردي أمام الكاميرا.
وهنا يحق للجمهور أن يسأل: من يقترح الرواية؟ من يحدد اتجاهها؟ من يراجع تفاصيلها؟ ومن يتحمل المسؤولية عندما تتبين أخطاء جوهرية في مضمونها؟
فليس من المقبول أن يُطلب من المواطنين تصديق اتهامات خطيرة دون أدلة كافية، ثم يُطلب منهم تجاهل الأسئلة عندما تتجه نحو أصحاب تلك الاتهامات أنفسهم.
“الغبي” الذي ظن أنه التقى الهمة!
لنضع جانبا، للحظة، كل الضجيج المحيط بهذه الحكاية، ولنقف عند أكثر تفاصيلها إثارة للسخرية: الرواية التي تقول إن هشام جيراندو اعتقد أنه التقى فؤاد عالي الهمة، بينما كان الشخص الذي قابله، وفق الادعاء المتداول، شبيها مزيفا أو ما يُسمى بالدارجة “الفالصو”.
إذا ثبتت هذه الرواية بالأدلة، فستكون مفارقة يصعب تجاهلها: شخص يقدم نفسه للجمهور باعتباره قادرا على كشف الخبايا، ثم يُفاجأ بأن هوية الشخصية التي يروي أنه التقاها تحتاج هي نفسها إلى التحقق!
وإذا كان جيراندو قد وقع فعلا في هذا الالتباس، فإن وصفه بأنه تصرف بتهور أو سذاجة في التحقق من هوية محاوره سيكون نقدا مفهوما.
أما السخرية الأشد فتتعلق بالتناقض بين الثقة التي تقدم بها الرواية للجمهور وبين ضرورة التأكد من أبسط عناصرها: من كان الشخص الذي جلس أمامه أصلا؟
لكن القضية لا تتوقف عند جيراندو وحده.
فالسؤال الأهم هو: من أين جاء ذلك الشخص؟ وكيف جرى تقديمه؟ وهل كان هناك من يعرف هويته الحقيقية؟ وهل استُخدم اللقاء، إن ثبتت تفاصيله، لإقناع أشخاص بمعلومات غير صحيحة؟
هذه الأسئلة هي التي تستحق التحقيق، لأنها تنقل النقاش من السخرية من شخص إلى البحث في احتمال وجود عملية تضليل متعمدة.
هل نحن أمام صناعة للوهم أم مجرد روايات متضاربة؟
إن أخطر ما يمكن أن تكشفه هذه القضية، إذا دعمت الأدلة تفاصيلها، ليس مجرد خطأ في التعرف على شخص، بل احتمال وجود أسلوب يقوم على بناء رواية، ثم تقديمها للجمهور بثقة، قبل التأكد من صحة العناصر التي تستند إليها.
فحين يتعلق الأمر بأسماء شخصيات عامة، قد يتحول التشابه إلى أداة للإيهام، وقد تتحول الصفة المفترضة إلى وسيلة لاكتساب الثقة.
وإذا ثبت أن أحدا استغل هوية مزيفة لاستدراج مواطنين أو خداعهم أو الحصول على منافع، فإن الأمر يستوجب تحقيقا جديا ومساءلة قانونية.
وإذا ثبت أيضا أن آخرين كانوا على علم بذلك وساهموا فيه، فإن مسؤوليتهم ينبغي أن تحدد على أساس الأدلة، لا على أساس التخمين أو الخصومة الشخصية.
وقد ثبت مما لايترك مجالا للشك، أن الحيجاوي وجيراندو يديران عمليات نصب واحتيال تستهدف مواطنين داخل المغرب وخارجه، و هو أمر بالغ الخطورة لا بد للقضاء أن يقول كلمته.
أطلس هاكرز… الوثائق تتكلم وتكشف خيوط اللعبة!
لم تعد التسريبات والوثائق التي نشرتها «أطلس هاكرز» مجرد مادة عابرة في سجال إعلامي، بل أصبحت، بحسب ما تتضمنه من معطيات وقرائن، محورا أساسيا لفهم ما يُثار حول العلاقة بين المهدي الحيجاوي وهشام جيراندو وباقي الأسماء التي يرد ذكرها في هذه القضية.
فالمسألة لم تعد تتعلق بمجرد تصريحات متبادلة أو اتهامات تُرمى في الهواء، بل بمواد منشورة تستدعي المواجهة المباشرة مع مضمونها، وتطرح أسئلة محرجة حول طبيعة الاتصالات والأدوار المحتملة والوقائع التي يجري تداولها.
لقد وضعت «أطلس هاكرز» معطياتها أمام الرأي العام، وأصبح من حق المواطنين الاطلاع عليها ومناقشة دلالاتها ومقارنتها بالروايات التي سبق ترويجها.
ومن هنا، فإن الرد على هذه المواد لا يكون بالتهجم على ناشريها أو التشكيك المجرد في نياتهم، بل بتفنيد ما ورد فيها وتقديم أدلة مضادة إن وُجدت.
فحين تتراكم القرائن وتظهر تناقضات تستحق التفسير، يصبح الصمت أو الاكتفاء بالضجيج الإعلامي عاجزا عن إغلاق باب التساؤلات.
وإذا كانت الوثائق والتسجيلات المنشورة أصلية، وكانت دلالاتها تؤيد ما يُنسب إليها من وقائع، فإنها قد تشكل أساسا قويا للتحقيق والمساءلة، وتحديد مسؤولية كل طرف بحسب دوره وما تثبته الأدلة.
أما الادعاءات المتعلقة بالتنسيق أو التضليل أو استغلال المواطنين، فينبغي ربطها بالوقائع المحددة التي تدعمها، حتى لا تختلط القرائن بالاستنتاجات أو تتحول الاتهامات إلى أحكام مسبقة.
إن الدفاع عن «أطلس هاكرز» هنا هو دفاع عن حق الرأي العام في الاطلاع على المواد التي تثير أسئلة تتعلق بالمصلحة العامة، وعن حق هذه المواد في أن تُناقش بجدية بدل محاولة إسكات النقاش حولها.
فليس من المنطقي أن يُطالب المواطنون بتصديق روايات مثيرة دون تحفظ، ثم يُطلب منهم تجاهل الوثائق عندما تضع تلك الروايات موضع التساؤل.
الوثائق تتكلم، والأسئلة تتكاثر، والرد الحقيقي لا يكون بالصراخ، بل بتقديم الحقيقة كاملة.
المواطن المغربي ليس كومبارس في مسرحية أحد
إذا كانت المعطيات المتداولة تثير احتمال وجود أساليب للتضليل أو استغلال الثقة أو انتحال الصفات، فإن أخطر ما في القضية هو ما قد يترتب على مثل هذه الممارسات من أضرار للمواطنين داخل المغرب وخارجه.
فالمواطن ليس مجرد متفرج على معارك المنصات الرقمية، ولا يجوز أن يتحول إلى ضحية لروايات تقدم إليه باعتبارها حقائق نهائية، بينما لم تُكشف جميع ملابساتها.
ومن هنا، فإن أي أدلة موثوقة على عمليات نصب أو احتيال، أو على استغلال أسماء وشخصيات معروفة للإيقاع بالضحايا، تستحق أن تُعرض على الجهات المختصة وأن تخضع للتحقيق.
كما أن كل شهادة موثقة وكل وثيقة تثبت واقعة محددة يمكن أن تسهم في تحديد المسؤوليات وكشف الحقيقة.
أما الحيجاوي وجيراندو وكل من قد تكشف الأدلة عن صلته بهذه الوقائع، فلا ينبغي أن يكونوا فوق المساءلة الإعلامية أو القانونية، كما لا ينبغي أن تُنسب إليهم مسؤوليات جنائية نهائية قبل التحقق منها.
الحيجاوي وجيراندو تبين أنهم يشتغلون ضمن شبكة، ابتزاز دولي عابر للقارات من باريس الى موريال، وتؤكد استعمال عدة طرق وأساليب احتيالية، راكموا من خلالها ثروات مالية، وعلاقات مع تجار المخدرات والمافيا، كما أنهم وظفوا اشخاص و”حراس أمن” من اجل الاطاحة بضحاياهم.
المعيار واحد: من تثبت مسؤوليته عن فعل غير قانوني، وجب أن يُحاسب وفق القانون، مهما كان اسمه أو موقعه أو خطابه.
وإذا كان بعض صناع المحتوى يقدمون أنفسهم باعتبارهم حماة للحقيقة وكاشفين للمستور، فمن حق الجمهور أن يطالبهم بالشفافية نفسها التي يطالبون بها الآخرين، وأن يسألهم عن مصادر معلوماتهم، وعن مدى دقة رواياتهم، وعن مسؤوليتهم تجاه الأشخاص الذين قد يتأثرون بما ينشرونه.
كرامة المواطن ليست مادة للتجارب، وثقته ليست غنيمة، والحقيقة ليست ملكية خاصة لأي شخص أو مجموعة.
من خدع مَن؟ الوثائق تضع الجميع أمام الاختبار
في حكاية «المهدي بابا والثلاث حرامية»، لا تكمن أهمية القضية في الألقاب الساخرة أو في هوية صاحب الصوت الأعلى، بل فيما يمكن أن تكشفه الوثائق عن الوقائع والعلاقات والأدوار المحتملة.
فإذا كانت الرواية المتداولة بشأن اللقاء المزعوم مع فؤاد عالي الهمة صحيحة، وكان الشخص الذي ظهر فيه مجرد شبيه مزيّف أو «فالصو»، فإن السؤال يصبح أكثر إحراجا: كيف أمكن تمرير هذه الرواية؟ ومن كان يعلم بحقيقة هوية الشخص؟ وهل توجد أدلة على أن الالتباس كان متعمدا أو استخدم لتحقيق غرض معين؟
إن هذه الأسئلة لا تُحسم بالسخرية وحدها، لكنها تكتسب أهمية خاصة عندما تقترن بوثائق وتسجيلات يمكن التحقق من أصالتها ودلالاتها.
ومن هنا، فإن ما نشرته «أطلس هاكرز» يستحق أن يكون موضوع فحص جدي ونقاش علني، وأن يُمنح الرأي العام فرصة لفهم ما تثبته المواد فعلا وما لا تثبته.
أما إذا أثبت التحقيق وجود تنسيق متعمد للتضليل، أو انتحال للهوية، أو استغلال للمواطنين، فإن المسؤولية ينبغي أن تطال كل من تثبت مشاركته، دون انتقائية أو استثناء.
لقد انتهى زمن مطالبة الجمهور بالتصديق الأعمى؛ فمن يروي قصة عليه أن يقدم ما يدعمها، ومن يواجه وثائق عليه أن يرد على مضمونها، ومن تثبت مسؤوليته عن أفعال مخالفة للقانون عليه أن يتحمل تبعاتها.
أطلس هاكرز تطرح الوثائق، والرأي العام يطالب بالتفسير، والفيصل هو ما تثبته الأدلة.
أما الأقنعة، مهما أُتقن ارتداؤها، فلا يمكن أن تكون بديلا عن الحقيقة.
