يكفي أن نعرف أنهم هناك، يحملون القضايا نفسها، ويتمسكون بالأمل نفسه. وحين يرحلون، نشعر أن شيئا من عالمنا قد انكسر
يوسف … هذا الأربعاء لك
كتبها: عبد الرفيع حمضي
بعض الأصدقاء نطمئن إلى وجودهم، وإن باعدت بيننا البلدان وطالت المسافات بين لقاء وآخر.
يكفي أن نعرف أنهم هناك، يحملون القضايا نفسها، ويتمسكون بالأمل نفسه.
وحين يرحلون، نشعر أن شيئا من عالمنا قد انكسر.
اليوم، رحل الصديق العزيز يوسف حبش، رئيس فرع نقابة الصحافيين الفلسطينين باوربا وترك في القلب غصة يصعب أن تجد لها الكلمات.
عرفته في فضاءات المنتدى الاجتماعي العالمي، من بورتو أليغري وسلفادور دي باهيا إلى تونس ودكار ومونتريال ومناسبات اخرى بباريس كانت تتقاطع طرقنا، نحن القادمين من بلدان وتجارب مختلفة، ويجمعنا ذلك الإيمان الجميل بأن «عالما آخر ممكن»؛ عالما يكون الإنسان في جوهره، وتصان فيه حريته وكرامته، وتتسع فيه الحياة للجميع.
كان يوسف من أولئك الذين جعلوا من هذا الأمل أسلوب حياة. فلسطين في قلبه، وقضايا الناس في وجدانه، وانتماؤه الإنساني يتجاوز الحدود.
مواطن من مواطني العالم، يحمل وجع وطنه، ويجد في كل مظلوم قريبا، وفي كل معركة من أجل الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية قضية تستحق أن يناضل من أجلها.
لم تكن لقاءاتنا كثيرة ولا متواترة، لكنها كانت دائما بطعم إنساني عميق، يختصر المسافات ويمنح اللقاء دفء الصداقة القديمة.
أستعيده اليوم بين كمال وحمودة وعلاء وعبد القادر، وأصدقاء آخرين، كثيرين، تتزاحم وجوههم في الذاكرة. كان لكل واحد منا صوته وحكايته، وكان ليوسف حضوره المرح وصوته ذو النكهة الخاصة، يشيع البهجة في لقاءاتنا، ويترك لنا، وسط ثقل القضايا، فسحة نضحك فيها من القلب.
رحل عبد القادر رحمه الله من قبل، وها أنت تلحق به، يا يوسف. نقف نحن الباقين أمام هذا الغياب، نستعيد الوجوه والأحاديث، ونكتشف كم صارت تلك اللحظات البسيطة عزيزة علينا.
كم كنا مطمئنين إلى أن لقاء آخر سيجمعنا، وأن في العمر متسعا لحديث لم نكمله بعد…
ويؤلم القلب أنك ترحل وفلسطين ما تزال تنزف، وغزة تحمل كل هذا الوجع. كم تمنينا أن يجمعنا يوم نحتفل فيه بحريتها، وأن نسمع صوتك، بنبرته التي نعرف، يعلو فرحا.
هذا الأسبوع، أهديك فضاء «حديث الأربعاء»، يا يوسف. أضع صورتك هنا، وفاء لصداقة أعتز بها، ولمسيرة نضال، ولإنسان ترك في لقاءاتنا دفئا لم تمحه المسافات ولا السنوات.
لزوجتك وأبنائك ووالديك، ولكمال وحمودة وعلاء، ولكل أصدقائك وأحبتك، خالص العزاء في هذا الفقد القاسي. ستبقى بيننا في الذاكرة، وفي الأمل الذي جمعنا، وفي إيمان نحاول أن نصونه، ونتركه لمن يواصلون الطريق: أن عالما آخر ممكن، وأن فلسطين ستعرف الحرية.
رحمك الله، يا صديقي.
ما أصعب أن نكتب عن صوتك، ونحن نعرف أننا لن نسمعه من جديد…
