مستجدات قضية الصحراء المغربية..من ربح ومن خسر
بقلم: عادل بن حمزة
“ليس كالمغرب بلد يرد فيه الصاع صاعين، وعلى الفور”
المشير ليوطي
شهد مجلس الأمن الدولي مساء الجمعة، جلسة هاربة من زمن الحرب الباردة، وكان لابد لتلك الجلسة أن تكمل مواصفات ذلك الزمن، بمداخلة مندوب الجزائر لدى الأمم المتحدة والذي أصر على أخد الكلمة حتى والجزائر لم تعد عضوا بمجلس الأمن، ولسخرية الواقع أن الجزائر التي لم تشارك في التصويت داخل مجلس الأمن قبل سنة عندما كانت عضوا غير دائم، قررت فجأة أن تعيد تسخين خطاب بارد ينهل من محبرة بومدين، غارق في الدعاية وزيفه مكشوف للعالم.
مساء أمس الجمعة حقق المغرب أكثر من مكسب، لكن قبل الخوض في ما حدث أمس، يجدر بنا أن نعيد تركيب مواقف المغرب المبدئية في مواجهة انحرافات الأمم المتحدة سواء تعلق الأمر بالأمين العام أو أعضاء مجلس الأمن بما في ذلك الأعضاء الدائمين، فسنة 2016 شهدت مواجهة غير مسبوقة مع الأمين العام آنذاك بان كي مون على خلفية زيارته لبير لحلو وتصريحاته هناك وقد توجت المواجهة مع كي مون، بطرد المكون المدني للمينورسو، علما أن هذا الطرد جاء على خلفية رغبة الأمين العام وأطراف في مجلس الأمن في تنشيط ولاية البعثة الخاصة بتنظيم الاستفتاء رغم إقرار مجلس الأمن منذ 2004 بإستحالة تنظيمه، أما الأمر الثاني فكان يتعلق بالاعتراض على توسيع مهام بعثة المينورسو لتشمل مراقبة حقوق الإنسان في الصحراء كما طرحتها الولايات المتحدة الأمريكية سنة 2012 قبل أن تتراجع، علما أن إسبانيا كانت أول من أثار هذا الموضوع على سنة 2005، والجميع يتذكر كيف كانت المواجهة مع بان كي مون والولايات المتحدة الأمريكية، لكن المغرب كان واضحا ومبدئيا، وعندما سمح بعودة المكون المدني، فإنه نجح في جعل مهام المينورسو تقتصر على مراقبة وقف إطلاق النار وإزالة الألغام وبناء تدابير الثقة، وأسقط موضوع الاستفتاء ومراقبة حقوق الإنسان. أزمة 2016 كانت تعتبر تحولا في تعاطي مجلس الأمن مع النزاع إذ عرف إنقساما حادا وعرفت قراراته الرجوع للتصويت أول مرة بدل الإجماع.
بعد عشر سنوات يعود مجلس الأمن إلى الإنقسام، لكن هذه المرة مع عجز كامل عن اتخاذ القرار، بل وتلجأ روسيا لاستعمال “الفيتو” وهي سابقة في تاريخ تعاطي مجلس الأمن مع النزاع منذ 35 سنة، التصويت كشف أن روسيا معزولة أمام أغلبية مطلقة داخل مجلس الأمن، هذه الأغلبية، كما عبرت في تفسيرها للتصويت، سواء لفائدة مشروع قرار “صاحبة القلم” أو بالامتناع عن مشروع قرار روسيا، أنها تريد فعليا وضع حد لهذا النزاع الذي عمر أزيد من نصف قرن بكل ما يرافقه من مآسي إنسانية، وأنها أساسا، تريد أن تخرج من المنطقة الرمادية واللغة المطاطية في قرارات مجلس الأمن، التي تتسع لكل الأطراف ولكل الوضعيات، وتضيق بنفسها، لم يعد ممكنا الاستمرار في مطاردة إستفتاء أقر نفس المجلس منذ أزيد من عشرين سنة، استحالة تنظيمه، لذلك لم تكن المعركة تهم إسقاط حرف “R” الدالة على الاستفتاء في تسمية المينورسو، بل بإعطاء مضمون إجرائي واقعي لقرارات مجلس الأمن، إذا كان يريد فعلا الإستمرار في معالجة القضية وإيجاد حل لها، خاصة أن مياها كثيرة جرت تحت الجسر بين 2016 و 2026، فالولايات المتحدة الأمريكية التي كانت تسعى لإضافة مراقبة حقوق الإنسان للمينورسو سنة 2012، هي من جاءت بقرار 2797 وبمشروع قرار هذه السنة بتغيير إسم وولاية البعثة الدولية، مادام مجلس الأمن أقر بوضوح أن الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية هو الحل المطروح للتفاوض، وعلى أساسه جرت لقاءات مدريد وواشنطن التي جمعت الأطراف (المغرب، الجزائر، موريتانيا والبوليساريو) بعد توقف الموائد المستديرة لسبع سنوات كاملة، كما عرفت الفترة دعم ثلثي أعضاء الأمم المتحدة لخطة الحكم الذاتي بما في ذلك ثلاث أعضاء دائمين في مجلس الأمن.
بيان الديوان الملكي وضع نقطة نظام، فعودة الملف إلى أجواء الحرب الباردة والصراع بين القوى الكبرى على خلفية حسابات ومواجهات ومصالح جيواستراتيجية في مناطق متفرقة من العالم، استدعى ضرورة توضيح أمر مهم، هو أن النزاع المفتعل في الصحراء المغربية لا يمكن التعامل معه بمنطق النزاعات الإقليمية في شرق أوكرانيا والشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا وأمريكا اللاتينية، فالمغرب لا يقبل تحويل آليات الأمم المتحدة لتكون أداة ابتزاز أو وصاية على سيادته ووحدته الترابية ومصالحه الوطنية، لذلك عندما اعتقد البعض أن الفيتو الروسي حشر المغرب في الزاوية، فإذا به يحقق له أكثر مما كان يطمح إليه مشروع القرار الأمريكي، وهو الإنهاء الكلي لمهام بعثة المينورسو، جاء ذلك صريحا في بلاغ الديوان الملكي الذي قطع الطريق على كل حل ترقيعي/تقني يمكن بحثه في الساعات القادمة، هذا الموقف المغربي يتطابق مع ما أعلنه السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة مايك والتز للصحافة في أعقاب الفيتو الروسي في مجلس الأمن، إذ قال بخصوص بعثة المينورسو:
“ولاية حفظ السلام، للأسف، بسبب هذا الفيتو، ستنتهي، وسنعمل مع الأمين العام على انسحاب مسؤول”، بمعنى لا نقاش ولا قرار جديد بخصوص المينورسو التي تنتهي ولايتها يومه السبت عند منتصف الليل. وهو ما يذكرنا بما وقع في جورجيا سنة 2009 وبسبب الفيتو الروسي أيضا.
بلاغ الديوان الملكي عبر بوضوح أيضا على أن الأمم المتحدة، وبعد 35 سنة فشلت في إيجاد حل رغم كل التنازلات التي قدمها المغرب، ورغم أن ثلثي أعضاء الأمم المتحدة تؤيد الحكم الذاتي، وعلى الرغم أن الأغلبية المطلقة لمجلس الأمن تريد ذلك أيضا، بمعنى أن المنظمة الدولية انتهت صلتها بالموضوع وأن المغرب لم يعد معنيا، بمنظومة أممية تطحن الزمن دون التفات جدي للمأساة الانسانية التي تهم آلاف الصحراويين في الداخل والخارج وفي مخيمات تندوف.
مشروع القرار الأمريكي الذي استعملت روسيا الفيتو بشأنه، فضح النظام الجزائري، عندما طالب بإحصاء المحتجزين/اللاجئين في مخيمات تندوف دون تدخل أي طرف، ذلك أن المفارقة هنا تتمثل في كون الطرف الذي لا يمل في ترديد أسطوانة الاستفتاء باعتباره الشكل الوحيد لتقرير المصير، وما يتطلبه ذلك من تحديد هوية المصوتين، هو نفسه الطرف الذي يصر على رفض إحصاء المحتجزين/اللاجئين، وهو الذي يصر ضد على القانون الدولي، على اعتبار مسلحين من ضمن اللاجئين!!
بلاغ الديوان الملكي أشار في ختامه بشكل واضح أيضا إلى أن المغرب ملتزم بالأمن والسلم وبالدفاع عن وحدته الترابية، بمعنى أن المغرب مستعد لكل الاحتمالات…
من ربح ومن خسر
المغرب ربح دعم الأغلبية المطلقة لمجلس الأمن، وربح ثلثي أعضاء الأمم المتحدة وربح بشكل واضح الموقف الأمريكي الذي رفض تحويل قرار مجلس الأمن إلى ساحة لمقايضة روسيا، رغم كل التنازلات التي قدمها فيما يتعلق بالصياغة للحفاظ على ماء وجه أتباع موسكو.
الخاسر الأكبر هي الجزائر التي تهجمت على الولايات المتحدة الأمريكية معتقدة أن وراء الفرو دب روسي، بينما الواقع يشهد أن روسيا في أرذل العمر، ليس لها ما تقدم و لا ما تؤخر، اللهم صفقات تسليح لا جديد فيها مادام الجميع يعرف طبيعة تسليح الجيش الجزائري، لكن الجديد الذي قد تقدم عليه واشنطن، هو تفعيل سلاح العقوبات سواء المرتبطة بشراء السلاح الروسي، أو بتلك المرتبطة بالتعامل وبدعم الإرهاب عندما يتم تصنيف البوليساريو منظمة إرهابية.
يبقى أن الحصن المكين للوحدة الترابية والوطنية، هو وحدة الشعب المغربي وإلتفافه حول جلالة الملك في لحظة تاريخية حاسمة.
