«الموظفون الأشباح»: سدنة الفساد الجدد.. حين ترتدي خيانة الوظيفة مسوح الفضيلة!
كتبها: جمال الدين ريان
غريب فعلاً هو ذاك الانفصام الأخلاقي الذي يعيشه صنف عجيب من البشر؛ أولئك الذين أتقنوا فن الاختفاء المتقن عن أماكن عملهم، فصاروا أشباحاً لا تراهم الإدارات ولا تلمس أثرهم مشاريع الإنتاج، لكنهم في المقابل الحاضرون الدائمون في صفوف الأحزاب والنقابات، المتصدرون للمشهد، والذين لا ينفكّون يصدّعون رؤوسنا بمحاضرات مطوّلة عن الأمانة، والشرف، و”محاربة الفساد”!
إنها لمهزلة كبرى أن يتحول من يتقاضى أجراً دون جهد، ويسطو على المال العام من خلال التواطؤ والغياب المبرر أو المبتز، إلى واعظ للأخلاق وخطيب في محراب الإصلاح. فأيُّ وقاحة سياسية وأخلاقية تتيح لمن ينهب مقدرات المؤسسات بصمت أن يرفع صوته عالياً من فوق المنصات منادياً بالشفاهة والتطهير؟
النقابات والأحزاب، التي وُجدت أصلاً لتكون حصناً للدفاع عن حقوق الكادحين والمنتجين الشرفاء، تحولت في كثير من الأحيان إلى ملاذات آمنة ومظلات حماية لهؤلاء الطفيليين. يجد “الموظف الشبح” في العمل السياسي والنقابي غطاءً يحميه من المساءلة الإدارية، وسوطاً يلوح به في وجه كل رئيس مصلحة أو مدير يجرؤ على مطالبته بأداء واجبه المهني.
وبدل أن تكون هذه التنظيمات مدارس للتربية النضالية والنزاهة، أصبحت مستنقعات لتفريخ المزايدين الذين يبيعون الشعارات الرنانة ليغطوا بها سوءة تقاعسهم.
إن مكافحة الفساد لا تبدأ في ساحات الخطابة ولا على صفحات الجرائد، بل تبدأ من أبسط قواعد الواجب الإنساني والمهني: أداء الأمانة في مكان العمل.
فمن خان وظيفته وتغيب عن مكتبه وسرق ساعات عمله والدولة، هو أولاً وأخيراً فاسد صغير، ولا يمكن لمن يبدأ يومه بجريمة الاحتيال الإداري أن يكون منقذاً للمجتمع أو حارساً لأخلاقياته.
لقد حان الوقت لرفع الغطاء عن هؤلاء المتاجرين بالشعارات.
فلا مكان لمحاربة الفساد الحقيقي ما لم يبدأ بـ “تطهير البيت من الداخل”، وقطع أيد وأرزاق المرتزقة الذين يعتاشون على ريع الوظيفة العمومية وهم نائمون، ثم يأتون ليحدثونا عن الشرف وكأنهم أربابه!
