حيوانات وملاعب.. قواميس لغة السياسيين المفقودة الشفرات

السياسة تواصل، والتواصل حركات وأفكار، والأفكار لغة ورموز.

وبين بنكيران وأخنوش ينسج خطاب ولغة التواصل بينهما حول قواميس إستعارية، تحمل في عمقها دلالات حول شخصية الرجلين وخلفيتيهما الثقافية ونظرتيهما للمشهد السياسي والحزبي سواء لجؤوا إلى استعمال مصطلحات لها حمولة وفهم خاص لدى المغاربة أو فعلوا ذلك بشكل عفوي ينم عن طبيعة الرجلين.

الخلفية الثقافية والتعليمية و التكوينية في مسار تكوين شخصية السياسي لاشك أنها تنزل بثقلها على جهازه العصبي والمعرفي لينتج اللغة والخطاب الذي يتماشى معها، بل و يتطابق معها أحيانا كثيرة بشعور أو بدونه، وتدفعه إلى اختيار الرموز والأمثلة في تواصله مع العموم ومع الخصوم، وكذا في إيصال الرسائل لمن يهمه الأمر من قريب أو من بعيد.

والمغرب يتميز منذ القدم بوجود هذه اللغة الرمزية، عرفت شكلها الممتاز في حلقات الأسواق والساحات العمومية، والتي جسدت منصات للتواصل بين الحاكي والجمهور الذي يستمتع بالاستماع إلى قصص خيالية، فيها الغول وعيشة قنديشة و الفرسان وغيرهم، في إشارات غير مباشرة إلى موازين القوى داخل البلاد والمجتمع.

لاتبتعد لغة السياسيين المذكورين عن هذا المنطق، غير أن لكل واحد منهما رموزه ورؤيته للمشهد مختلفة تماما بل ومتناقضة في المدلول والمآل النهائي.

بنكيران الأستاذ المدرس والفقيه المتشبع باللغة الأدبية و الفقهية الشرعية، استعمل رمزية الحيوانات التماسيح حينا في إشارة إلى قوى مفترسة قاتلة تبتلع كل شيء وسريعة الحركة، لاتقنع بالقليل بل و قاطعة طريق أحيانا، ولها قدرة على التحرك في البر والبحر مهددة بقاء الجماعة الأليفة و لايقوى حتى الأسد على مقاتلتها نظرا لشكلها الممتد في الأرض ولقوة جسدها وفكيها. استعمل الأمثال التي نجدها بكثرة في القرآن الكريم فاستعمل مصطلحات الجمل وسيمته الصبر والجلد والقدرة على التحمل ولما له رمزية دينية حسنة في الثراث. ثم مصطلح العفاريت المتميزة بالتخفي والسرية والمس في الخفاء. وكلها مرتبطة بنظرته للمشهد السياسي مستعملا لغة حكواتية روائية ليدعها تقول ما لايستطيع الإفصاح عنه بشكل مباشر، وهي كلها مصطلحات لها ارتباط بثقافته الأدبية الإنشائية التقليدية فرضها تكوينه العميق وعلاقاته الإجتماعية الجمعوية والدعوية، يعي من خلال إستعمالها تواجد معاني هذه المصطلحات في المخيال الشعبي العام من دون أن يحدد صورها في الواقع بشكل مباشر.

في المقابل، أول ما بدأ أخنوش باستعماله بشكل ملفت في هذا الباب، هو تحدثه عن البطاقة الحمراء التي يستعملها الحكم لإخراج لاعب غير منضبط لقواعد اللعبة داخل الملعب في مبارة فريقين بالطبع يحضرها جمهور كبير في إشارة إلى كرة القدم.

لغته هاته تطرح عدة استفهامات، لا ندري إن كان استعملها وهو يعي حمولتها ويهدف منها بناء رسالة من جنس آخر، أم انه استعملها بشكل عفوي و تلقائي كرد فعل شخص محب لكرة القدم وجدها أحسن مجاز للرد على موقف بنكيران في بلاغ” إنتهى الكلام”.

فالبطاقة الحمراء تفترض بداية وجود ملعب، فيه فريقين إثنين لاثالث لهما، و تفترض أيضا الندية والتنافس واللعب الجماعي من أجل تسجيل الأهداف على مرمى الخصم، كما تقتضي التمتع بروح متسامحة توصف بالرياضية، و ضرورة حضور جمهور يتابع اللعبة دون السماح له بالتدخل فيها، بل وممنوع عليه ذلك تحت طائلة الزجر والعقاب و محاطا برجال الأمن لحماية اللعبة وتأمينها. قصة الطرد من الملعب ببطاقة حمراء في إشارة إلى مشاورات تشكيل الحكومة، تفترض تمتع بنكيران بصفتين: لاعب مع فريقه وحكم في نفس الوقت. وعليه طبقا لقواعد اللعبة أن يتخلى عن إحداهما إما أن يلعب الكرة أو يتحلى بصفة الحكم وهي محرمة عليه بحكم جماعته وبحكم القانون والعرف لأن الحكم عندنا هو شخص آخر بعيد عن الطبيعة الندية ومحكوم عليه بتطبيق قواعد اللعبة على الأطراف.

إذا كان أخنوش لايعني ذلك بتاتا، فهذا يدل على خلل في موازين اللغة الرمزية لفائدة بنكيران الذي يحدد مسبقا هدفه لكل رمز ينطق به أمام الملأ، و لايستعمل لغته الرمزية عن هوى وإنما من أجل إيصال رسائل متعددة إلى أطراف متنوعة.

ولربما خلفية رجل الأعمال، أخنوش، الذي تتسم حركته بالندية، المنافسة والبحث الدائم عن الربح، تعكس خياره اللغوي الرمزي، سواء حدد مسبقا أهدافه من خلالها أو عبر عنها بشكل عفوي دون نية في إحداث أثر تواصلي ذا مغزى أو معنى وذا نظرة لواقع اللعبة السياسية وللفاعلين فيها ولأهدافها.

هكذا هم “سياسيونا”، غفر الله لهم، لايتحدثون اللغة المباشرة كما باقي الخلق السياسي في الكرة الارضية، لتعمدوا إدخالنا في متاهة فك شفرات خطابهم، هذه الشفرات غير الموجودة حتى عند جهابذة قرصنة فك طلاسمها في العالم، هذا إن كان فعلا للغتهم مدلول إجتماعي يجيب عن حاجيات البلاد وتحتاج فعلا قراءة وتناول بالفحص والتحليل.

هذا وناهيك عن حراك “سيميائي” من نوع آخر، يمارسه بنكيران وعدد من خصومه عند استعمال المصطلح الديني كمكون للخطاب، هذا الإستعمال الذي لا ندري هل هو قناعة فكرية أم مجرد توظيف سياسوي لغزو المراكز على الخشبة؟

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*