الأبعاد الإستراتيجية لعودة المغرب للإتحاد الإفريقي

الدكتور/ خالد الشرقاوي السموني
مدير مركز الرباط للدراسات السياسية و الإستراتيجية

منظمة الوحدة الأفريقية ،التي أنشئت في 25 مايو 1963 ، تعرضت لتصدعات وخلافات بين أعضائها، على غرار ما شهده العالم العربي من تصدعات إقليمية ، صارت تهدد الوحدة بين الدول الأعضاء ، مما قد يؤدي إلى التشتت والتفرقة ، وهو ما جعل بعد الدول الإفريقية تهدد بالانسحاب من المنظمة، في حال بقاء الأوضاع على حالها، ونتيجة لذلك تم التفكير في إعادة توحيد الصف الإفريقي و تقوية هياكل المنظمة ، سواء على مستوى تغيير اسمها ليصبح «الاتحاد الأفريقي» أو على مستوى تعديل نظامها الأساسي ليواكب المستجدات الإقليمية ، أو على مستوى استيعاب فاعلين إقليميين ، قد يساعد المنظمة من الخروج من أزمتها وخلق دينامية وحيوية في بنيتها ووظائفها .
في ظل هذه المستجدات . ألحت عددا من الدول الإفريقية على ضرورة عودة المغرب إلى الحظيرة الإفريقية نظرا لمكانته الجيو-ستراتيجية في القارة ولصعوده الاقتصادي و نجاحه الديموقراطي ، بعدما غادرها سنة 1984 ، وذلك رداً على انضمام ما يسمى “الجمهورية الصحراوية العربية” إلى المنظمة في نوفمبر 1984 ، أو ما يطلق عليها ” جبهة البوليساريو “، مستدلاً بأنها لا تتوفر على شرط “الدولة المستقلة وذات السيادة .
و الجدير بالذكر في هذا السياق ، أن قرار انسحاب المغرب من منظمة الوحدة الإفريقية آنذاك ، كان شرا لابد منه ، أملته عوامل موضوعية وإستراتيجية ، نظرا لأن انضمام جبهة البوليساريو إلى المنظمة الإفريقية يشكل مساسا بالسيادة المغربية و وحدته الترابية التي تعد إحدى ثوابت النظام المغربي ، ولأن انسحاب المغرب يمكن قراءته آنذاك كوسيلة ضغط على الدول المساندة والمؤيدة لجبهة البوليساريو، على أساس أن المغرب دولة ذات مكانة معتبرة في شمال إفريقيا ولا يمكن بأي حال من الأحوال القفز على دولة كان لها الفضل الكبير في توحيد الصف الإفريقي و تحرير إفريقيا وتصفية الاستعمار و الانتصار على نظام الميز العنصري ، كما له موقع جيو-استراتيجي يشكل صلة وصل بين إفريقيا وأوروبا ، إذ لا يمكن أن تتقوى إفريقيا اقتصاديا أو معرفيا بدون إشراك المغرب في سياسات النمو بهذه القارة .
و قد اختار المغرب سياسة المقعد الشاغر منذ ذلك الحين وإلى حدود انعقاد الدورة السابعة والعشرين للإتحاد الإفريقي في العاصمة الرواندية كيغالي السنة الماضية ، حيث وجه الملك محمد السادس إلى هذه القمة رسالة بخصوص رغبة المغرب في العودة للإتحاد الإفريقي ، مذكرا في رسالته بأن الملك محمد الخامس، أحد أقوى رموز تحرر الوعي الإفريقي، وواحد من الرواد الملتزمين، إلى جانب الرؤساء جمال عبد الناصر، فرحات عباس، مديبو كايتا، سيكو توري، وكوامي نيكروما، صناع قمة الدار البيضاء التاريخية، سنة 1961، التي أعلنت عن انبثاق إفريقيا متحررة، وأسست للاندماج الإفريقي و في تعزيز روابط الأخوة والصداقة، مع مجموعة من الدول الإفريقية. كما أكد الملك”محمد السادس في خطاب ألقاه يوم 6 نونبر 2015 من العاصمة السنغالية دكار بمناسبة ذكرى مرور 41 عاما على “_المسيرة الخضراء أن المغرب راجع إلى مكانه الطبيعي، ويتوفر على الأغلبية الساحقة لشغل مقعده داخل الأسرة المؤسسية الأفريقية . وقال إن هذه العودة ستمكن المغرب من الدفاع عن حقوقه المشروعة، وتصحيح المغالطات، التي يروج لها خصومه داخل المنظمة الأفريقية.
و رغم انسحاب المغرب من المنظمة الإفريقية لما يقرب عن ثلاثة و ثلاثين عاما، إلا أنه لم يقطع علاقاته الاقتصادية مع القارة الإفريقية، فمنذ أزيد من ثلاث سنوات والمملكة تسير في اتجاه الانفتاح الاقتصادي على القارة الإفريقية ، في ظل العلاقات الاقتصادية الممتازة التي ينسجها مع العديد من الدول الإفريقية، وتجلى ذلك من خلال الزيارات المتتالية التي قام بها الملك محمد السادس لعدد من الدول الإفريقية ، ومن خلال أيضا ارتباط المملكة المغربية بجدورها و هويتها الإفريقية ، وبالتالي من غير المستساغ أن يظل المغرب خارج منظمة هو جزء منها بحكم الواقع .
ولهذا ، قدمت المملكة المغربية طلبا إلى مفوضية الاتحاد الإفريقي ، في يوليوز 2016 ، من أجل العودة إلى المنظمة في صيغتها الجديدة ، والذي حظي بقبول الأغلبية الساحقة للدول الأعضاء في القمة الإفريقية الثامنة والعشرين للاتحاد المنعقدة يومي 30-31 يناير الجاري في أديس أبابا العاصمة الإثيوبية للإتحاد الإفريقي .
ويمكن تفسير هذه العودة التاريخية ، بأن المغرب أصبح واعيا بأهمية العمل من داخل الإتحاد الإفريقي لمواجهة السياسات التي تضر بمصالحة ، حيث إن سياسة دولة الجزائرِ في القارة الإفريقية ، مثلا ، تتجه نحو ضخ ميزانيات مهمة لفائدة دول إفريقية في سبيل محاصرة المغرب إقليميا ، فضلا عن تشطيبها على ديون 18 دولة إفريقية بكيفية نهائية، فيما المغربُ غائبٌ عن ردهات التكتل الإفريقِي بسبب عضوية البوليساريُو، الأمر الذي لم يعد مقبولا .
كما تمكنت الجزائر بالتنسيق مع اللوبي المتحكم بالاتحاد الإفريقي من التأثير على عدد من دول الاتحاد ليصبح طرفا في نزاع الصحراء خلال سنة 2015 ، تجلى ذلك في القرار المتعلق برئاسة موريتانيا للاتحاد الإفريقي سابقا و تعيين الرئيس السابق للموزنبيق ، جواكيم شيصانُو، مبعوثا خاصا إلى الصحراء ومطالبته بإعداد تقارير لمفوضية الإتحاد ومجلس الأمن والسلم الإفريقي ، الذي كان يرأسه وزير الخارجية الجزائري رمضان العمامرة . وكانت الغاية من ذلك هو رغبة الجزائر في تأزيم علاقة المغرب مع موريتانيا نظرا لارتباطاتها بملف الصحراء .
و كذلك القرار المتعلق برئاسة مفوضية الإتحاد الإفريقي من قبل دلامينى زوما، الزوجة السابقة لرئيس جنوب إفريقيا ، جاكوب زوما ، التي حاولت بكل الوسائل عرقلة عودة المغرب إلى المنظمة الإفريقية ، و كانت أيضا تصفي حسابات جنوب أفريقيا مع بقية دول القارة مستغلة منصبها المهم والحساس.
و نذكر أيضا المساعدات المالية والاقتصادية التي قدمتها الجزائر لمصر بهدف تأزيم العلاقات المصرية المغربية ، كما أنه بعد عام من تجميد الإتحاد الإفريقي لعضوية مصر بعد الانقلاب العسكري الذي قاده الرئيس السيسي ، غير الاتحاد قراره وقبل عودة مصر إليه دون أي شروط .
و تأسيسا على ما سبق ذكره ، يمكن إجمال الدوافع الأساسية التي دعت المغرب للعودة للإتحاد الإفريقي ، فيما يلي :
1/ إن العديد من الدول الإفريقية غيرت من موقفها حيال قضية الصحراء، فضلا عن الحضور الوازن للمغرب بالقارة الإفريقية والعلاقات القوية التي أصبحت تربطه مع العديد من الدول الإفريقية. و أن العلاقات المغربية – الأفريقية زادت انفتاحاً ومتانة، على رغم غياب المغرب عن منظمة الوحدة الأفريقية، و بالتالي فإن إن حضور المغرب داخل المنظمة سيكون ذي أهمية كبرى عبر العمل في إطار مؤسساتي.
2/ إن المغرب من الدول المؤسسة لمنظمة الوحدة الإفريقية، وانسحب منها سنة 1984 بسبب بعض المواقف التي أضرت بسيادته ووحدته الترابية، وهو عاد إلى منظمة كان فيها ويعد من مؤسسيها ، وأكثر من ذلك أن المرحوم الملك محمد الخامس يعد أحد أقوى رموز تحرر الوعي الإفريقي بجانب بعض زعماء ورؤساء دول من إفريقيا الذين دافعوا عن انبثاق إفريقيا متحررة .
3/ إن حضور المغرب داخل المنظمة إيجابي جدا، لأن ذلك سيساعده على الدفاع عن مصالحه وحقوقه المشروعة . ففي حال بقاء المغرب خارج المنظمة الإفريقية ، فإن خصوم وحدته الترابية سيزدادون قوة وتأثيراً، لكن بحضوره سيعمل على منع مناوراتهم المتنافية مع الأسس التي تعتمدها هيئة “الأمم المتحدة لحل “النزاع حول الصحراء، مما قد يساعد الإتحاد الإفريقي من الاضطلاع بدور بناء والإسهام إيجابا في جهود الأمم المتحدة من أجل حل نهائي لهذا النزاع .
4/ إن الزيارات التي قادها الملك محمد السادس في الشهور الأخيرة لكل من رواندا، تنزانيا، الغابون، السنغال، إثيوبيا، مدغشقر، ونيجيريا، توجت بمجموعة من الاتفاقيات والمشاريع شملت مختلف المجالات والقطاعات الحيوية، وفي الإجمال بلغ عدد الاتفاقيات الموقعة بين المغرب والعديد من البلدان الإفريقية أكثر من 590 اتفاقية، ساعدت المغرب من توسيع نفوذه الاقتصادي والمالي في القارة.
و من أبرز هذه الاتفاقيات ، نذكر مثلا، إطلاق مشروع إنجاز خط أنابيب للغاز الذي سيربط موارد الغاز الطبيعي لدولة نيجيريا بالمغرب، مرورا بدول غرب إفريقيا، ، والاستثمارات التي سيَضُخها في تنزانيا والتي تقدر بـ 2 مليار دولار، و باستثمار ما قيمته 3.7 مليار دولار خلال السنوات الخمس القادمة لإقامة مجمع ضخم لإنتاج الأسمدة الزراعية بإثيوبيا. بالإضافة إلى اتفاقيات أخرى و مشاريع كبرى ستعود بالنفع على القارة الإفريقية أولا . ولهذا يبدو أن المغرب استطاع امتلاك نفوذ اقتصادي عبر استثماراته الضخمة في إفريقيا، سيتعزز بقرار العودة ومحاولة اكتساب نفوذ سياسي مواز.
و نستنتج في الأخير ، أن عودة المغرب إلى الأسرة الإفريقية يشكل نقطة فارقة في التوجه الجيو-ستراتيجي و الاقتصادي للمملكة، إذ أن هناك حظوظا و آمالا كبيرة بتسوية نزاع الصحراء عن طريق الاتحاد الإفريقي كمنظمة إقليمية ، كما يمكن للمغرب ، كثاني مستثمر بإفريقيا بعد جنوب إفريقيا، من الدخول إلى جميع الأسواق الإفريقية و تسريع وتيرة الانتشار الاقتصادي والمالي في ظل سياسة جنوب-جنوب التي يقودها الملك محمد السادس ، بعد أن ظل يشتغل المغرب لعقود بمنطق النظرية الأحادية المرتكزة على السوق الأوربية. وأيضا سيعمل المغرب بجانب باقي الدول الأعضاء من أجل استتباب السلم والأمن بإفريقيا و محاربة الإرهاب الذي قد يهدد القارة الإفريقية من خلال تجربته الأمنية الناجحة و كذا المساهمة في حل النزاعات الإقليمية بين الدول .

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*