حزب التقدم والاشتراكية في الداخلة… حين تتحول المبادرة الحزبية إلى فعل سيادي

حزب التقدم والاشتراكية في الداخلة… حين تتحول المبادرة الحزبية إلى فعل سيادي

بقلم عبدالهادي بريويك

في زمن سياسي يستعيد فيه المغرب ذاكرة الاستقلال، ويواصل فيه ترسيخ سيادته على الصحراء، اختار حزب التقدم والاشتراكية أن يتوجَّه إلى الداخلة ليعقد اجتماعه الدوري. قرار يبدو في ظاهره نشاطاً تنظيمياً، لكنه في الواقع يحمل دلالات أكبر من ذلك بكثير.

إنه إعلان سياسي بأن الأحزاب الوطنية ليست متلقية للتحولات الكبرى، بل طرفٌ مشارك في صناعتها.

هذا الحضور الحزبي في الجنوب جاء متزامناً مع صدور القرار الأممي الأخير، الذي اعتُبر خطوة إضافية في مسار تثبيت مغربية الصحراء، ومع التوجيهات الملكية المتعلقة بالأمن المائي باعتباره ورشاً استراتيجياً من الدرجة الأولى. تزامنٌ لم يكن مجرد صدفة، بل شكل خلفية سياسية عززت رمزية مبادرة الحزب.

لقد أراد حزب التقدم والاشتراكية، من خلال اختياره الدقيقة للزمان والمكان، أن يبعث برسالة مزدوجة:

أولاً، أنه مستمر في أداء دوره التاريخي كامتداد للحركة الوطنية التي خاضت معركة الاستقلال والوحدة الترابية.

وثانياً، أن السيادة اليوم لم تعد تُقاس فقط باسترجاع الأرض، بل بامتلاك القدرة على إدارة الموارد الاستراتيجية وبناء اقتصاد المستقبل.

في قراءته للقرار الأممي الأخير، يبرز الحزب “قوة الواقع” التي رسخها المغرب في الاقاليم الجنوبية. فمشاريع البنية التحتية، وحضور الدولة، والمخططات التنموية، لم تعد شعارات، بل أصبحت معطيات مُقنعة أثرت في قناعات المجتمع الدولي.

ومن هذا المنطلق، تحولت مبادرة الحزب إلى شكل من أشكال الاستثمار السياسي في نجاح دبلوماسي وطني.

لكن مبادرة الحزب لا تقف عند حدود القضية الوطنية. فبالتوازي مع النقاش حول مغربية الصحراء، جاءت التوجيهات الملكية بشأن الأمن المائي لتفتح الباب أمام نقاش جديد: السيادة على الموارد.

والحزب، من خلال حضوره القوي في الداخلة، سعى إلى تأكيد أن الأحزاب الوطنية يجب أن تكون طرفاً في هذه الأوراش، وأن قضايا الماء والطاقة والغذاء ليست شأناً تقنياً بل ملفات سياسية ذات أولوية.

زيارة وفد الحزب لورش ميناء الداخلة الأطلسي، وهو من أكبر المشاريع الاستراتيجية في المغرب، كانت درساً ميدانياً في كيفية تحول الجنوب إلى منصة سيادية متعددة الأبعاد: لوجستية، اقتصادية، مائية، وطاقية.

وهي أيضاً إشارة إلى أن المغرب ينسج مستقبله من هذه الرقعة الأطلسية التي تربط البلاد بعمقها الإفريقي وبفضاءات جيوسياسية جديدة.

إن مبادرة حزب التقدم والاشتراكية تفتح الباب أمام سؤال أكبر:

هل يمكن للأحزاب السياسية أن تستعيد أدوارها في زمن التحولات الاستراتيجية؟

الجواب الذي قدّمه الحزب من الداخلة واضح: نعم، عندما تعود الأحزاب إلى جذورها الوطنية، وتقرأ اللحظة السياسية بعمق، وتربط خطابها بقضايا السيادة والتنمية.

بهذه الخطوة، لا يكتفي الحزب بمتابعة الأحداث، بل يساهم في تأطيرها وإعطائها معنى سياسياً.

ولعل أهم رسالة خرجت من الداخلة هي أن السيادة مشروع وطني جامع، تشارك فيه الدولة والأحزاب والمجتمع، وأن مستقبل المغرب يُصنع من تضافر هذه القوى لا من انكفائها.

إنها لحظة يُعيد فيها حزب التقدم والاشتراكية التموضع، ويعيد معها طرح السؤال الجوهري:

كيف يمكن للأحزاب أن تكون في صلب هندسة السيادة المغربية الجديدة، لا مجرد معلِّقة على مسارها؟

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*