الشارع المناهض للتطبيع في المغرب: هل هي ورقة داخل معادلة التوازن الاستراتيجي
الدكتورة أميرة عبد العزيز / باريس
يصعب فهم الموقف المغربي من الاحتجاجات المناهضة للتطبيع إذا نظرنا إليه بمنطق بسيط يقوم على فكرة أن الدولة اختارت التطبيع، وبالتالي يفترض أن تواجه كل من يعارضه في الشارع.
الواقع السياسي أكثر تعقيدًا من ذلك، لأن الدول التي تتحرك بعقل استراتيجي لا تبني سياساتها على موقف واحد مغلق، بل تدير شبكة من المصالح والتناقضات والرسائل الموجهة إلى الداخل والخارج في الوقت نفسه.
المغرب في المرحلة الحالية يحتاج إلى الحفاظ على علاقاته الاستراتيجية مع إسرائيل والولايات المتحدة، لأسباب تتجاوز الجانب الرمزي أو السياسي المباشر.
فملف العلاقات الخارجية يرتبط بحسابات الأمن والدبلوماسية والتكنولوجيا والمصالح الوطنية الكبرى.
وفي الوقت نفسه، يعرف صانع القرار أن المجتمع المغربي يحمل تاريخيًا حساسية قوية تجاه القضية الفلسطينية، وأن رفض التطبيع ليس موقفًا هامشيًا، بل تتقاسمه تيارات إسلامية ويسارية ونقابية ومدنية مختلفة.
وتؤكد الدراسات الأكاديمية أن التطبيع أعاد بالفعل تشكيل فضاءات المعارضة والتحالفات بين تيارات كانت مختلفة أيديولوجيًا، وجعل من القضية الفلسطينية نقطة التقاء سياسية واسعة.
من هنا، يصبح وجود الشارع المناهض للتطبيع جزءًا من المعادلة السياسية، لا بالضرورة بمعنى أن كل حركة أو تنظيم يتلقى توجيهاته من الدولة، وإنما بمعنى أن الدولة تستطيع أن تدير وجود هذه القوى وأن تستفيد سياسيًا من آثارها.
هناك فرق بين صناعة الحركة وبين فهم قيمتها داخل ميزان القوى.
فحين تتفاوض دولة مع قوى كبرى مثل الولايات المتحدة، أو مع شريك مثل إسرائيل، فإنها لا تتحرك فقط بما تريده السلطة، بل أيضًا بما تستطيع تمريره داخليًا.
وجود شارع رافض، واحتجاجات، وقوى سياسية ومدنية ترفع سقف الاعتراض، يخلق حدودًا واقعية أمام أي مطالب خارجية قد تُطرح على المغرب. الرسالة تصبح واضحة: للمغرب مصالحه وتحالفاته، لكن لديه أيضًا مجتمعًا ورأيًا عامًا لا يمكن تجاهلهما.
وهنا يتحول الاحتجاج، بشكل موضوعي، إلى عنصر قوة تفاوضية.
فكلما ارتفع الضغط الخارجي في اتجاه معين، أصبح من الممكن الإشارة إلى أن هناك حدودًا داخلية يجب أخذها بعين الاعتبار.
ليست كل الدول تملك هذه القدرة على المناورة. أما الدولة التي تدير علاقاتها الخارجية بذكاء، فإنها تعرف كيف تجعل تعدد الأصوات داخل مجتمعها جزءًا من البيئة التي تفاوض من خلالها.
هذا النموذج ليس غريبًا عن قراءة تاريخ العلاقات المغربية الإسرائيلية نفسها.
فقد أشار محللون إلى أن المغرب سعى تاريخيًا إلى الجمع بين الانفتاح العملي على إسرائيل والحفاظ على صورته وموقعه المرتبطين بالقضية الفلسطينية، وهو ما خلق نوعًا من التوازن بين السياسة الرسمية والحساسيات الشعبية.
وبالتالي، فإن السماح بهامش من التعبير والاحتجاج لا ينبغي تفسيره دائمًا باعتباره ضعفًا أو تراجعًا عن السياسة الرسمية.
قد يكون جزءًا من إدارة دقيقة للمشهد: الدولة تحافظ على اختياراتها الاستراتيجية، بينما يستمر المجتمع في التعبير عن موقفه، ويظل هذا الموقف حاضرًا في حسابات الشركاء الخارجيين.
إسرائيل، مثلها مثل الولايات المتحدة، تعرف أن أي دولة ليست مجرد حكومة توقع الاتفاقيات.
هناك مجتمع، وأحزاب، ونقابات، وحركات مدنية، ورأي عام. وكلما كان هذا الرأي العام واضحًا في رفضه لبعض السياسات، أصبح من الصعب التعامل مع الدولة المعنية باعتبارها قادرة على تنفيذ كل ما يُطلب منها دون حدود.
وهذا بالضبط ما يمنح المغرب هامشًا إضافيًا. فالشارع المناهض للتطبيع يمكن أن يشكل، بحكم وجوده، رسالة غير مباشرة مفادها أن هناك سقفًا سياسيًا واجتماعيًا يجب احترامه. الدولة ليست مضطرة إلى تبني شعاراته، لكنها ليست بالضرورة خاسرة من وجوده. بل إن تعدد المواقف داخل المجتمع قد يمنحها مساحة أكبر للمناورة.
التاريخ السياسي يعلمنا أن القوة لا تعني دائمًا القضاء على كل اختلاف، كما أن الوحدة لا تعني أن يتحدث الجميع بالصوت نفسه.
أحيانًا تكون القوة الحقيقية في القدرة على إدارة الاختلافات وتحويلها إلى عناصر توازن. والدولة التي تفهم مجتمعها وتعرف حدود الضغط الخارجي تستطيع أن تحافظ على أكثر من ورقة في يدها.
لهذا، فإن السؤال ليس فقط: لماذا لا تنهي الدولة الاحتجاجات المناهضة للتطبيع بشكل كامل؟ بل ربما يجب طرح سؤال آخر: ما الذي يمكن أن تخسره الدولة إذا أغلقت كل منافذ التعبير، وجعلت موقفها الخارجي منفصلًا تمامًا عن نبض مجتمعها؟
وجود قوى رافضة للتطبيع يسمح ببقاء التناقض الداخلي ظاهرًا ومفهومًا للخارج.
وهو يذكّر بأن السياسة المغربية لا تتحرك في فراغ، وأن أي شراكة استراتيجية لها حدود اجتماعية وسياسية وثقافية. وهذا لا يجعل الدولة والشارع طرفًا واحدًا، لكنه يجعل وجود كل منهما مؤثرًا في موقع الآخر.
إن من يدير السياسة بعقل استراتيجي لا ينظر إلى كل صوت مخالف باعتباره تهديدًا يجب إزالته فورًا، ولا إلى كل احتجاج باعتباره دليلًا على الفشل.
أحيانًا يكون التناقض نفسه جزءًا من التوازن. وأحيانًا تكون قدرة الدولة على الاحتفاظ بعلاقات استراتيجية من جهة، والسماح ببقاء حساسيات شعبية قوية من جهة أخرى، هي ما يمنحها مساحة الحركة.
المغرب في حاجة إلى علاقاته ومصالحه الاستراتيجية في هذه المرحلة، لكنه في حاجة أيضًا إلى أن تبقى له خصوصيته وحدوده الداخلية.
وبين الموقف الرسمي والشارع الرافض توجد مساحة سياسية معقدة، يمكن أن تتحول من مصدر إحراج إلى مصدر قوة إذا أُديرت بذكاء.
وهنا يظهر معنى العقل الاستراتيجي: ليس في اختيار ورقة واحدة وحرق بقية الأوراق، بل في معرفة قيمة كل ورقة، ومتى تُستخدم، وكيف يمكن أن تتعايش التناقضات داخل سياسة واحدة تخدم في النهاية مصالح الدولة
