حين تتحول الكوطا من آلية للإنصاف إلى موضوع للمزايدة…
كتبتها: د، مريم جمال الادريسي
بمنطق غريب، يتحدث بعض وكلاء اللوائح المحلية وكأنهم هم من يصنعون فوز وكيلة اللائحة الجهوية، وكأن وصول النساء إلى البرلمان منحة شخصية يقدمونها لهن، تستوجب الشكر أو أداء المقابل أو تحمل جزء من مصاريف حملاتهم الانتخابية.
والحال أن اللائحة الجهوية ليست منة من أحد، ولا امتيازا تفضليا تمنحه اللوائح المحلية للنساء، وإنما هي آلية للتمييز الإيجابي أقرها المشرع في انسجام مع المقتضيات الدستورية المتعلقة بالمساواة والمناصفة وتكافؤ الفرص، ومع الالتزامات الدولية للمغرب، وفي مقدمتها اتفاقية «سيداو». وقد أُحدثت لتيسير ولوج النساء إلى المؤسسات المنتخبة ومواقع القرار، ومعالجة اختلال تاريخي واجتماعي وثقافي أعاق مشاركتهن السياسية المتكافئة.
صحيح أن اللائحة الجهوية تستفيد انتخابيا من الدينامية العامة للحزب ومن تعبئة مرشحيه في الدوائر المحلية، لكنها بدورها تمنح الحزب حضورا جهويا، وتوسع دائرة التصويت لفائدته، وتستقطب أصواتا قد لا تستقطبها بعض اللوائح المحلية. لذلك فالعلاقة بينهما علاقة تكامل سياسي وانتخابي، وليست علاقة دائن بمدين، ولا محسن بمستفيد.
ولنفترض، جدلا، أن اللائحة الجهوية ألغيت: هل سيتوقف وكلاء اللوائح المحلية عن خوض حملاتهم؟ هل سيتخلون عن تمويلها؟ هل سيمتنعون عن إقناع الناخبات والناخبين بالتصويت لهم؟
بالطبع لا.
سيقومون بكل ذلك في جميع الأحوال، لأنهم مترشحون يسعون إلى الفوز في دوائرهم.
فلماذا يقدمون واجبهم الانتخابي الطبيعي وكأنه خدمة شخصية يؤدونها لوكيلة اللائحة الجهوية، ويطالبونها في المقابل بتحمل مصاريف حملاتهم أو جزء منها لإرضائهم وضمان «تعاونهم»؟
ثم إن الواقع يثبت أن بعض اللوائح المحلية، رغم حملاتها وتمويلها، لا تتمكن من حشد الأصوات الكافية ولا من تحقيق الفوز. فهل تتحمل وكيلة اللائحة الجهوية أيضا مسؤولية ضعف مرشح محلي أو عجزه عن إقناع ناخبيه؟
إن إدخال اللائحة الجهوية في معترك المزايدات المالية يفرغ التمييز الإيجابي من فلسفته، ويحوله من أداة لتحرير النساء من اختلال موازين القوة إلى وسيلة جديدة لإخضاعهن لها. والأخطر أن هذا الخطاب يكشف عن العقلية نفسها التي جاءت الكوطا لمحاربتها: عقلية تستكثر على المرأة موقعها، وتنظر إلى تمكينها باعتباره اقتطاعا من حق الرجل، ثم تطالبها بدفع ثمن وجودها السياسي.
هكذا تنتقل الذكورية من القاعدة إلى المسطرة، ومن الاعتراض الصريح على الكوطا إلى محاولة الالتفاف عليها ماليا، فيصبح حق المرأة مشروطا برضا وكلاء اللوائح المحلية، وقدرتها على تمويل حملاتهم، وقبولها أداء ضريبة غير مكتوبة مقابل حق قرره الدستور ونظمه القانون.
وكيلة اللائحة الجهوية شريكة كاملة في المعركة الانتخابية، وليست ممولة مفترضة للدوائر المحلية، ولا مدينة لأحد بموقعها. ومساهمتها، متى اختارتها، يجب أن تكون التزاما سياسيا حرا وتضامنيا وشفافا، لا إتاوة مفروضة ولا مقابلا للتزكية أو للتعاون الانتخابي.
فالتمييز الإيجابي لم يحدث كي تدخل المرأة إلى السياسة من باب، ثم يعاد إخضاعها، عند العتبة، للمنطق نفسه الذي أُحدث ذلك الباب لتجاوزه…
