ثانوية محمد السادس للتميز بابن جرير: أنموذج مغربي لصناعة النخبة العلمية
الباحثة آمال بن الطاهر
1. التأسيس: شراكة بين القطاعين العام والخاص
ثانوية محمد السادس للتميز (المعروفة اختصارًا بـ Lydex) مؤسسة تعليمية مغربية تقع في مدينة ابن جرير، ضمن جهة مراكش-آسفي.
أُنشئت المؤسسة من اتفاقية شراكة موقّعة سنة 2014 بين وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي من جهة، ومؤسسة المكتب الشريف للفوسفاط (OCP) من جهة أخرى، قبل أن تفتح أبوابها فعليًا للتلاميذ سنة 2015. وقد حملت المؤسسة اسمها الحالي “ثانوية محمد السادس للتميز” ابتداءً من الموسم الدراسي 2023-2024، بعد أن كانت تُعرف سابقًا بـ”ثانوية التميز بنجرير” فقط.
2. من أحدثها ولماذا؟
المُحدِث الفعلي للمشروع هو مجموعة OCP، عبر ذراعها التعليمية “جمعية النهوض بتعليم التميز”، بشراكة مباشرة مع الدولة المغربية ممثلة في وزارة التربية الوطنية. والفكرة التي قامت عليها المؤسسة بسيطة في جوهرها لكنها عميقة الأثر: أن المغرب يملك طاقات شابة متفوقة، خصوصًا في الوسط القروي والأسر ذات الدخل المحدود، لكنها كثيرًا ما تفتقر إلى بيئة تعليمية قادرة على استثمار هذا التفوق وتوجيهه نحو أعلى المسارات العلمية العالمية. فجاءت الثانوية لتكسر معادلة أن التميز حكر على المدن الكبرى أو الأسر الميسورة، عبر اعتماد معيارين أساسين في الانتقاء: التفوق الدراسي، والوضع الاجتماعي والاقتصادي، مع تمييز إيجابي واضح لصالح التلاميذ القادمين من أسر محدودة الدخل.
3. بنيتها وموقعها الاستراتيجي:
شُيدت المؤسسة على مساحة تناهز 18 هكتارًا، في موقع يربط بين الدار البيضاء ومراكش، داخل “المدينة الخضراء محمد السادس” بابن جرير، وعلى مقربة مباشرة من جامعة محمد السادس المتعددة التخصصات (UM6P)، وهو تجاور ليس صدفة بل جزء من رؤية متكاملة تجعل من ابن جرير قطبًا علميًا وتقنيًا متكاملًا.
تضم الثانوية نظام الداخلية الإجباري لجميع التلاميذ المقبولين، وتوفر شعبًا علمية وتقنية متنوعة: الجذع المشترك العلمي والتقني، شعبة العلوم الرياضية، شعبة العلوم التجريبية، إضافة إلى شعبتي العلوم والتكنولوجيات الكهربائية والميكانيكية، كما تضم أقسامًا تحضيرية للمدارس العليا (CPGE) وشهادة التقني العالي (BTS)، أي إنها تواكب التلميذ من الثانوي حتى أعتاب المدارس الكبرى.
4. آفاقها ومخرجاتها:
الهدف المعلن للمؤسسة هو تأهيل نوابغ التلاميذ لولوج أرقى المدارس العليا الوطنية والدولية، وهو هدف بدأ يترجم إلى نتائج ملموسة: فقد احتفت الثانوية بعدد من خريجيها الذين نجحوا في اجتياز مباراة الولوج إلى المدرسة الفرنسية العريقة “بوليتكنيك باريس” (École Polytechnique)، وهي من أصعب المباريات العلمية في العالم وأكثرها تنافسية، إلى جانب قبول خريجين آخرين في مدارس هندسية ومعاهد عليا مرموقة داخل المغرب وخارجه.
كما توفر المؤسسة نظامًا للمنح يصل إلى التغطية الكاملة (100%) لمصاريف الدراسة والإيواء والإطعام بالنسبة للتلاميذ المنحدرين من أسر معوزة، بينما تتراوح التكلفة للأسر غير المعوزة بين 10 آلاف و30 ألف درهم سنويًا حسب الوضع الاجتماعي والاقتصادي لكل أسرة.
5. إضافتها للمغرب:
تكمن قيمة هذه التجربة في كونها أنموذجًا لتكافؤ الفرص العلمي داخل المغرب: فهي لا تكتفي باستقطاب “النخبة الجاهزة” من المدن الكبرى، بل تبحث عمدًا عن التفوق أينما وُجد، في القرى والمناطق النائية كما في المدن، وتمنحه بيئة تعليمية بمعايير عالمية من دون أن يكون الدخل الأسري عائقًا.
وبذلك تُقدّم الثانوية إجابة عملية على إشكالية مزمنة في المنظومة التعليمية المغربية، وهي الفجوة بين التفوق الفردي وفرص تكافؤ الوصول إلى التعليم النوعي، فتسهم في بناء جيل من الأطر العلمية والهندسية المغربية القادرة على المنافسة عالميًا، مع بقائها -من حيث المبدأ- مرتبطة بمشروع تنموي وطني أوسع يتمثل في القطب العلمي والتقني الذي تشكله مدينة ابن جرير حول جامعة محمد السادس المتعددة التخصصات.
