الفقيه المقاوم عبد الرحمان زكي… سيرة علمٍ ومقاومة ووفاء للوطن

بورتريه: الفقيه المقاوم عبد الرحمان زكي… سيرة علمٍ ومقاومة ووفاء للوطن

كتبها: أحمد رحمون 

يُعدّ الفقيه المقاوم عبد الرحمان بن محمد بن عبد المالك زكي واحداً من الوجوه الوطنية التي جمعت بين رسالة العلم وروح المقاومة، فكان مثالاً للعالم المناضل الذي سخّر علمه ووعيه لخدمة وطنه في واحدة من أدق مراحل تاريخ المغرب المعاصر.

وقد ظل اسمه مرتبطاً ببلاد زعير التي احتضنته داراً وإقامةً ومدفناً، حتى صار من رجالاتها البارزين الذين تركوا أثراً في ذاكرة المنطقة.

وُلد عبد الرحمان زكي حوالي سنة 1927 بمدينة تازناخت بإقليم ورزازات، في أسرة ذات جذور صنهاجية.

ومنذ صغره ظهرت عليه ملامح النبوغ وحبّ العلم، فحفظ القرآن الكريم وبعض المتون الأساسية في سن مبكرة، قبل أن يشدّ الرحال إلى مدرسة الفقيه الطاهر الرافعي الدينية بقبيلة السراغنة، حيث نهل من علوم الشريعة واللغة، فدرس الحديث والفقه والتفسير والنحو واللغة وفق نظام التعليم التقليدي الذي كان آنذاك منارات لتخريج العلماء والفقهاء.

حلّ الفقيه عبد الرحمان زكي بمنطقة زعير سنة 1944، ثم غادرها فترة قصيرة قبل أن يعود إليها سنة 1947، ليبدأ مرحلة جديدة من حياته كرّسها للتعليم والتأطير الديني. فقد اشتغل بالتدريس في عدد من جوامع القبيلة، ناشراً العلم بين الناس ومؤطراً للأجيال الصاعدة، إلى أن استقر بالمنطقة استقراراً نهائياً، وأصبح من علمائها المعروفين.

غير أن مسيرته لم تقتصر على التعليم وحده؛ إذ سرعان ما انخرط في العمل الوطني خلال فترة الحماية الفرنسية. فبعد نفي السلطان محمد الخامس يوم 20 غشت 1953، وهي الحادثة التي أشعلت غضباً شعبياً واسعاً في مختلف أنحاء المغرب، انخرط الفقيه عبد الرحمان زكي في صفوف المقاومة.

وقد شارك رفقة عدد من الوطنيين في تأسيس خلية فدائية سرية بمدينة الرماني، كان هدفها تعبئة السكان وفضح مخططات سلطات الحماية.

بدأت هذه الخلية نشاطها بنشر الوعي الوطني بين الأهالي، وتوزيع المناشير، وبعث رسائل التهديد إلى المتعاونين مع سلطات الاستعمار، كما عملت على جمع التبرعات لاقتناء الأسلحة وتوفير وسائل العمل الفدائي.

ومع تصاعد العمل المقاوم، نفذت الخلية عدداً من العمليات التي استهدفت خصوصاً ضيعات المعمرين وبعض وسائل الاتصال التابعة للإدارة الاستعمارية.

غير أن نشاط الخلية لم يدم طويلاً في الخفاء؛ إذ اكتُشف أمرها بعد سلسلة من العمليات، فشنت سلطات الحماية حملة اعتقالات واسعة.

وكان الفقيه عبد الرحمان زكي ضمن من طالتهم هذه الحملة، حيث اعتُقل يوم 25 يناير 1954 رفقة عدد من رفاقه.

صدر في حقه حكم بالسجن لمدة سنتين نافذتين مع قرار بالإبعاد عن المنطقة لمدة خمس سنوات، وذلك بموجب حكم صادر عن المحكمة العليا الشريفة بالرباط بتاريخ 29 يوليوز 1954.

وقد تنقل خلال فترة اعتقاله بين عدة سجون؛ إذ سُجن أولاً بسجن الرماني، ثم نُقل إلى سجن لعلو بالرباط حيث قضى ستة أشهر، قبل أن يُحوَّل إلى سجن العدير بالجديدة، ثم إلى سجن عين علي مومن بسطات حيث سُجّل تحت رقم الاعتقال 21583 بتاريخ 23 يوليوز 1954.

كانت تجربة السجن قاسية، لكنها شكّلت بالنسبة إليه مدرسة أخرى من مدارس النضال، حيث احتكّ بعدد من رموز الحركة الوطنية والمقاومة المغربية، واستفاد من تجاربهم وأفكارهم.

وبقي رهن الاعتقال إلى أن أُفرج عنه في نونبر 1955 بعد صدور عفو شامل بمناسبة عيد العرش.

بعد فجر الاستقلال، لم يتأخر الفقيه عبد الرحمان زكي في خدمة وطنه من موقع جديد، إذ التحق بالإدارة المغربية الناشئة، مساهماً في إرساء اللبنات الأولى للإدارة المحلية بدائرة الرماني.

وقد قضى في هذا المجال أكثر من ثلاثين سنة من العمل، تميز خلالها بالنزاهة والانضباط وروح الوطنية الصادقة.

وبفضل إخلاصه في خدمة الوطن والعرش، نال وسام الاستحقاق الوطني تقديراً لعطائه وتفانيه في أداء واجبه، ليظل اسمه مرتبطاً بجيل من الرجال الذين جمعوا بين النضال في زمن المقاومة والبناء في زمن الاستقلال.

رحل الفقيه المقاوم عبد الرحمان زكي عن الدنيا يوم الأحد 2 فبراير 1993، الموافق لـ 22 شعبان 1413هـ، بعد حياة حافلة بالعطاء في ميادين العلم والوطنية والخدمة العمومية.

وقد وُوري جثمانه الثرى بمقبرة سيدي منصور بمدينة الرماني، تاركاً وراءه سيرة رجل جمع بين هيبة الفقيه وشجاعة المقاوم ووفاء الموظف لخدمة بلده.

وهكذا يظل عبد الرحمان زكي واحداً من أولئك الرجال الذين صنعوا تاريخ المغرب بصمت، وأسهموا في ترسيخ قيم العلم والوطنية والالتزام، لتبقى ذكراهم حاضرة في ذاكرة بلاد زعير ومدينة الرماني. 

رحم الله الفقيد و أسكنه فسيح جناته

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*