تركيا وسوريا.. صراع على الحدود ونفوذ إقليمي

تركيا وسوريا.. صراع على الحدود ونفوذ إقليمي

 

ليلى موسى

تُعدّ إشكالية ترسيم الحدود التي فُرضت على تركيا بعد الحرب العالمية الأولى من أكثر القضايا تعقيدًا وتحديًا التي تواجهها.

وقد وضعت هذه الإشكالية تركيا في كثير من الأحيان في مواجهة وتصعيد، وأحيانًا أخرى في عزلة.

إذ بُنيت استراتيجيتها، منذ تأسيسها في عهدها الحديث وحتى اليوم، على تغييرات مستمرة في حدودها السياسية وفرض وقائع جديدة تعيد إحياء دولة الخلافة، ضاربةً عرض الحائط بجميع العهود والمواثيق الدولية التي تنظم العلاقات بين الدول في العصر الحديث.

 

تحركت تركيا وفق منطق فرض القوة، لذا نجد أن جميع التوسعات التي قامت بها — بدءًا من احتلال لواء إسكندرون وقبرص، مرورًا باحتلال الشمال السوري وبناء القواعد في شمال العراق — غير شرعية وغير معترف بها دوليًا. هذا السلوك يقع خارج السياق الزمني، والإطار القانوني، والتوجهات الدولية والإقليمية، مما وضع تركيا في أزمات مستمرة وزاد من التحديات التي تواجه نظامها الحاكم. ففي الوقت الذي ترفض فيه واقع حدودها السياسية وتسعى إلى تغييره، يُطلب منها تعديل طبيعة نظام حكمها بما يتوافق مع متطلبات المرحلة.

 

وقد شكّلت الفوضى السورية وأزمتها المعقدة بيئةً مناسبة لتمرير الاستراتيجية التركية بشكل مرحلي ومؤقت، إلا أن تركيا تسعى بكل إصرار لتحويلها إلى استراتيجية طويلة الأمد، مما يضعها في مواجهة إقليمية ودولية، وخصوصًا مع حلفائها في الناتو.

 

جميع المساعي الهادفة إلى إعادة تشكيل سوريا بما يتوافق مع مشروع “الشرق الأوسط الجديد” تأتي على حساب تراجع المشروع والطموح التركي.

ولذلك تسعى تركيا إلى فرض حضورها في جميع المحافل الدولية المتعلقة بالقضية السورية، أو عرقلة عمليات التحول. فبعد استبعاد تركيا من جولة مفاوضات باريس — سواء تلك التي عُقدت بين وفدي الحكومة السورية الانتقالية والإسرائيلية، أو الجولة المزمع عقدها بين وفدي الإدارة الذاتية والحكومة الانتقالية، بالإضافة إلى اللقاء الثلاثي في عمان — برز الجنوب السوري كبعد استراتيجي يؤثر على الأمن القومي الأردني.

 

وقد سبق “اجتماع عمان” زيارة وزير الخارجية التركي إلى دمشق، وتلتها زيارة وفد سوري ضم ممثلين عن وزارتي الخارجية والدفاع ومدير الاستخبارات إلى أنقرة.

وتشير رسائل هاتين الزيارتين إلى عمق الصراع التركي-الإسرائيلي على النفوذ الإقليمي، وإلى حجم التدخل والوصاية التركية في القرار السوري.

ولا يمكن قراءة زيارة وزير الطاقة السوري إلى بغداد، الهادفة إلى إحياء الشراكات الاقتصادية في مجالي الطاقة والموانئ، بمعزل عن هذه التحركات.

وهي زيارة جرت رغم إدراك الطرفين لضعف قدرتهما الاقتصادية على تفعيل تلك الشراكة، وحاجتهما إلى طرف ثالث داعم.

 

كما لا يمكن فصل تظاهر المجموعات الإخوانية أمام السفارة المصرية في دمشق عن مجمل التحركات التركية-السورية. إنها محاولة لإعادة خلط الأوراق وممارسة ضغوط وابتزاز سياسي.

 

يهدف تشكيل الضغوط والتحالفات والشراكات إلى ضمان النفوذ التركي وتمرير أجنداته في سوريا، من خلال الحفاظ على مركزية نظام الحكم ومنع أي تحولات بنيوية فيه. ولهذا، لم يخلُ المؤتمر الصحفي المشترك بين السيد الشيباني والسيد فيدان من التهديد والوعيد؛ حيث تم توجيه الاتهامات إلى إسرائيل بإثارة الفوضى وفرض وقائع جديدة على سوريا، وكذلك إلى قوات سوريا الديمقراطية بانتهاك اتفاقية 10 مارس وخرقها عسكريًا.

كما أصرّ السيد الشيباني على ضرورة أن تتم جميع الطروحات السياسية برعاية الحكومة السورية، ردًا على موقفهم من “مؤتمر وحدة موقف المكونات” الذي عُقد في الحسكة.

 

موقف الحكومة السورية هذا لم يكن اعتباطيًا، بل جاء ردًّا على قرار مجلس الأمن الذي دعا إلى العودة للقرار الأممي 2254، بعد تورّط الحكومة الانتقالية بشكل مباشر في مجازر السويداء، وتعنتها في التمسك بمواقفها، وتنصلها من الاستجابة لشروط المجتمع الدولي.

 

ورغم تعهدات الحكومة الانتقالية للمجتمع الدولي باحترام التعددية والتنوع السوري، وضمان حقوق جميع المكونات وإشراكهم في صنع القرار، إلا أنها ما تزال ماضية في فرض رؤيتها الأحادية لطبيعة نظام الحكم وإدارته.

 

وعليه، فإن الحكومة الانتقالية السورية والتركية تقفان أمام سيناريوهين:

الأول: الاستجابة لمتطلبات الشارع السوري والمجتمع الدولي، من خلال إجراء تغييرات جوهرية في بنية نظام الحكم، بما يتوافق مع طبيعة المجتمع ومتطلبات المرحلة، عبر الحوار والسبل السياسية والدبلوماسية والقانونية، للانتقال بالبلاد إلى مرحلة الاستقرار السياسي.

الثاني: الإصرار على السياسات الأحادية والعمل تحت الوصاية التركية، مما قد يدفع البلاد نحو حرب أهلية مدمّرة، ولا يُستبعد أن يتصاعد النزاع إلى مواجهة تركية-إسرائيلية (عبر حلفائهما، وفي مقدمتهم أمريكا وبعض الدول العربية).

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*