خبز أمي…

خبز أمي

بقلم عبد الهادي بريويك 

ما زلت أؤمن أن للأمهات معجزات صغيرة لا يراها الجميع، وأن أعظم تلك المعجزات كانت تخرج من بين يدي أمي على هيئة أرغفة دافئة، تفوح منها رائحة الحياة.

لم يكن خبز أمي طعاما يُؤكل فحسب، بل كان قصيدة من الحنان، تُكتب كل صباح على مهل، بحروف من طحين أبيض وقلب لا يعرف إلا العطاء.

كنت أراها تنحني على العجين وكأنها تحتضن أبناءها جميعا في قبضة واحدة، تُداعب الطحين بيديها المتعبتين، فتتحول حباته الصامتة إلى حياة.

كانت تترك شيئا من روحها في كل رغيف، ولذلك لم يكن خبزها يشبه أي خبز آخر في الدنيا.

كان يحمل دفئها، وصبرها، وصلواتها الخفية التي لم نكن نسمعها، لكنها كانت تصل إلى قلوبنا قبل أن تصل إلى السماء.

رائحة خبز أمي كانت وطنا كاملا.

كانت تكفي لتعيدني من أقصى الغربة إلى باب البيت، ومن أشد الأيام قسوة إلى حضن الطمأنينة.

ما إن تنتشر في الأرجاء حتى تتراجع هموم الدنيا كلها خطوة إلى الوراء، ويصبح العالم أكثر لطفا، وأكثر أمانا، وأكثر شبها بالأحلام الجميلة.

أحيانا أفكر أنني لم أحب الخبز يوما، بل أحببت أمي فيه. أحببت أصابعها التي تترك أثرها على العجين، ووجهها الذي يضيء كلما رأتنا نلتف حول الأرغفة الساخنة.

أحببت ذلك التعب النبيل الذي كانت تخفيه خلف ابتسامة هادئة، وكأن إسعادنا أمر بسيط لا يستحق الذكر، بينما كان في الحقيقة بطولة يومية لا يجيدها إلا قلب أم.

يا أمي، كلما كبرت أدركت أن الأرغفة التي كنت تخرجينها من الفرن لم تكن مجرد خبز، بل كانت دروسا في الحب. كنت تعلميننا دون كلام أن الخير يشبه العجين؛ يحتاج إلى صبر طويل حتى يختمر، وأن العطاء يشبه النار؛ يحرق صاحبه قليلا ليمنح الآخرين الدفء.

وها أنا اليوم، كلما رأيت رغيفا يشبه أرغفتك، تهتز في داخلي مدن كاملة من الذكريات.

أتذكر الصباحات القديمة، وضحكات إخوتي، وصوتك وأنتِ تناديننا، والفرح البسيط الذي كان يسكن بيتنا.

أتذكر أياما مضت ولن تعود، لكن رائحتها ما زالت عالقة في قلبي كما يعلق عبير الخبز في أطراف الثياب.

لو سألوني يوما: ما هو الحنين؟ لقلت إنه رغيف خبز خرج لتوه من يدي أمي.

ولو سألوني: ما هو الأمان؟ لقلت إنه ذلك الشعور الذي كان يسكنني وأنا أراك تقسمين الأرغفة بيننا وكأنك تقسمين قلبك، فتأخذين أقل القليل وتمنحيننا كل شيء.

يا أمي، إن كان للبيوت أرواح، فأنتِ روح بيتنا، وإن كان للذكريات عطر، فهو عطر خبزك.

سيبقى خبزك في ذاكرتي أجمل من كل الموائد، وأغلى من كل النعم، لأنه لم يكن يُصنع من الطحين والماء فقط، بل كان يُصنع من قلبك… والقلب الذي أحب بهذا القدر لا يشيخ أبدا، ولا تغيب رائحته عن العمر مهما طال الزمن.

سلام على يديك حين عجنتا لنا الحياة مع الخبز، وسلام على قلبك الذي كان يطعم أرواحنا قبل أن يطعم أجسادنا.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*