كشف تحقيق برنامج “Complément d’enquête” الذي بثته قناة France 2 الفرنسية عن معالم صادمة لما وصفه الصحافيون المشاركون بـ“حرب ظل” حقيقية تشنها الجزائر فوق التراب الفرنسي، مستخدمة أجهزة مخابراتها وشبكات إجرامية وواجهات إعلامية ورقمية، بهدف ملاحقة المعارضين، التأثير على القرار السياسي الفرنسي، وتصدير منطق القمع خارج الحدود الوطنية.
ورصد التحقيق بداية الوقائع من لحظة الإفراج عن المعارض الجزائري أمير بوخرص المعروف باسم أمير ديزاد، بعد 27 ساعة من الاحتجاز، حيث جرى إطلاق سراحه تحت جسر داخل غابة بفرنسا. ويظهر المعارض في تسجيل مصوّر التُقط بهاتفه المحمول بملامح مرهقة وعيون متعبة، مؤكدًا أنه خضع لتخدير قوي أثناء فترة اختطافه. ووفق روايته، نفذ أشخاص العملية وهم انتحلوا صفة رجال شرطة، قبل أن يتضح أنهم عناصر مأجورة مرتبطة بشبكات إجرامية تعمل بتنسيق مع المخابرات الجزائرية. وأوضح أن العملية لم تكن عملاً معزولاً، بل منظمة ومخططة، استخدمت فيها وسائل تخدير ونُقل فيها إلى مكان معزول، قبل أن تفشل في النهاية.
أمير ديزاد شدّد أمام كاميرات البرنامج على أن الهدف لم يكن الترهيب فقط، بل “الترحيل القسري إلى الجزائر أو التصفية الجسدية”، متهماً النظام الجزائري بتجنيد وسطاء ومنحهم المال مقابل تنفيذ مهام قذرة في فرنسا وأوروبا. وفي أكثر تصريحاته حدة، وصف الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بـ“البلطجي”، معتبراً أنه “لا يتصرف كرئيس دولة، بل كرئيس عصابة”، وأن خطابه الشعبوي العدائي تجاه فرنسا يخفي عجزاً داخلياً وفشلاً اقتصاديًا وسياسيًا، يتم تصديره عبر افتعال أزمات خارجية وملاحقة المعارضين في المنفى.
في المقابل، عرض التحقيق الرد الرسمي الجزائري، الذي نفى جميع الاتهامات، واعتبر ما ورد حملة إعلامية معادية تقودها أوساط يمينية في فرنسا، ووصف أمير ديزاد بأنه “مجرم فار من العدالة”، دون تقديم أي معطيات قضائية موثقة تدحض الوقائع.
وأكد التحقيق أن السلطات الفرنسية باشرت تحقيقات فورية، باعتبار أن العملية تم تنفيذها على أراضيها بواسطة قوة أجنبية. وكشفت التحقيقات أن هاتفين كانا يراقبان منزل أمير ديزاد قبل أسابيع من الاختطاف، تعود ملكيتهما لمواطنين جزائريين مسجلين كدبلوماسيين، لكن المحققين اعتبروهما عملاء استخبارات تحت غطاء دبلوماسي، وتم توقيف أحدهما ووضعه رهن الاعتقال، ما زاد التوتر بين البلدين.
التحقيق لم يقتصر على شهادة بوخرص، بل عززها بشهادات صحافيين وخبراء أمنيين فرنسيين، أكدوا أن الأجهزة المختصة تتابع منذ سنوات نشاطًا غير اعتيادي لمصالح استخباراتية جزائرية، يتمثل في مراقبة المعارضين، اختراق الجمعيات، جمع معلومات شخصية، ومحاولات التأثير على الإعلام والرأي العام. كما أبرز البرنامج وجود “جيوش إلكترونية” تعمل من الجزائر وخارجها لتشويه المعارضين وبث الشائعات، مستهدفة الصحافيين الفرنسيين، الشخصيات السياسية، والنشطاء الجزائريين في المنفى.
وليس هذا فقط، فقد كشفت التحقيقات التي أُجريت في إطار برنامج “Complément d’enquête” عن عملية تجنيد نفذتها المخابرات الجزائرية بحق موظف فرنسي يعمل في وزارة المالية الفرنسية، وتحديدًا في قسم بيرسي المسؤول عن إدارة طلبات اللجوء. الموظف، الذي وُلد في الجزائر وعُرف لاحقًا إعلاميًا باسم “جاسوس بيرسي”، لم يسبق له ارتكاب أي مخالفات، لكنه تعرض لاستدراج ممنهج من قبل عملاء المخابرات الجزائرية أثناء قيامه بإجراءات إدارية في قنصلية الجزائر في كريتيل عام 2023.
ووفقاً لما ورد في التحقيق، قام هذا الموظف بعد بضعة أيام بتسريب عنوان المعارض الجزائري المقيم في فرنسا أمير ديزاد Amir DZ، واستمر على مدار عامين في تزويد أجهزة الاستخبارات الجزائرية بمعلومات عن نحو 15 معارضاً يعيشون في فرنسا، ما شكل خطراً كبيراً على هؤلاء الأشخاص.
وفي مقابلة مباشرة ضمن البرنامج، أوضح الموظف أنه لم يكن ينقل هذه المعلومات طواعية بالكامل، مشيرًا إلى وجود ضغوط ومخاطر تهدد حياته وعائلته المقيمة في الجزائر. وقال إنه كان ضحية استهداف ممنهج، حيث يتم اختيار موظفين هادئين ومتزنين لتحويلهم إلى أدوات تجسس تحت ضغط، سواء من أجهزة استخبارات فرنسية أو أجنبية. ويخضع الموظف حاليًا للتحقيق بتهمة التخابر مع قوة أجنبية، وهو طليق مع وضعه تحت المراقبة القضائية.
وأكد التحقيق أن هذه القضية ليست معزولة، بل جزء من شبكة استخباراتية متفرعة تعمل على متابعة المعارضين الجزائريين في فرنسا، واستغلال أي ثغرات قانونية أو بشرية للحصول على معلومات حساسة. وخلص البرنامج إلى أن الضغوط النفسية والتهديدات التي مورست على الموظف تشير إلى أن النظام الجزائري يستخدم طرقاً غير قانونية خارج حدوده لاستهداف المعارضين، بما في ذلك التجنيد المباشر للعاملين في المؤسسات الرسمية الفرنسية.
وفي تطور بالغ الخطورة، كشف التحقيق اعتمادًا على مذكرة سرية صادرة عن جهاز مكافحة التجسس الفرنسي، أن أجهزة الاستخبارات الجزائرية تمارس أيضا ضغوطًا مباشرة على منتخبين فرنسيين من أصول جزائرية، بهدف ما سُمّي بـ“الترويج للأدلجة المرتبطة بالجزائر” أو ما وصفته إحدى المنتخبات بـ“الترويج للجزائرية”.
وأكدت المنتخبة المحلية، التي جرى تغيير صوتها حمايةً لها، أن هذا التواصل لا يقتصر عليها، بل يشمل عدداً كبيراً من المنتخبين المحليين، ويتم عبر قنوات القنصليات الجزائرية، مع تحميلهم واجب الانحياز لصالح الجزائر والدفاع عنها، وإغراءات ووعود بفتح جميع الأبواب أمامهم داخل الجزائر والتدخل لمساعدتهم ورفع شأنهم. الهدف الأساسي، وفق شهادتها، هو الدفاع عن الهوية والرواية الرسمية، ومواجهة الخطاب الإعلامي والسياسي المنتقد للجزائر في فرنسا.
في سياق أوسع، وضع البرنامج هذه الممارسات ضمن منطق تاريخي للنظام الجزائري يقوم على استغلال “العداء لفرنسا” كأداة داخلية لتبرير القمع وتصدير الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما أكده السفير الفرنسي السابق في الجزائر كزافييه دريانكور، الذي رأى أن معاداة فرنسا جزء من بنية النظام نفسه، وأنه يتقن اللعب على الذاكرة الاستعمارية ويستعمل وسائل غير قانونية في الخارج، داعيًا باريس إلى التخلي عن “سذاجتها الدبلوماسية” واعتماد مبدأ المعاملة بالمثل.
وأشار التحقيق إلى أن محاولة اختطاف أمير ديزاد ليست حالة معزولة، بل جزء من نمط متكرر، سبق أن نبهت إليه منظمات حقوقية، يشمل تهديد المعارضين داخل أوروبا عبر الضغط على عائلاتهم، ملاحقات قضائية مفبركة، وتهديدات جسدية مباشرة، وهو ما يتزامن مع تصنيف الجزائر من قبل تقارير دولية كدولة تشهد تراجعاً خطيراً في حرية التعبير واستقلال القضاء.
وخلص التحقيق إلى أن العلاقات الفرنسية-الجزائرية لم تعد مجرد خلاف سياسي، بل تحولت إلى مواجهة خفية تستخدم فيها أجهزة الاستخبارات، العصابات، الحرب الرقمية، والتضليل الإعلامي، حيث كشفت قضية أمير ديزاد الوجه الخارجي لقمع النظام الجزائري لمعارضيه خارج حدوده، في تحدٍ واضح للقانون الدولي ولسيادة الدول.
عن برلمان،كوم
