صوت الألوان، صمت العيون
“قراءة أدبية في لوحة تشكيلية تمزج بين الخيال، الروح، والطبيعة للفنانة المبدعة سارة ظفر الله من مدينة مشرع بلقصيري.
بقلم : عبد الهادي بريويك
في زاوية من زوايا الحلم، حيث يذوب الواقع في طيف لون، وتتشكل الكائنات من انفعالات الفرشاة، تولد أمامنا لوحة ليست كباقي اللوحات.
امرأة ذات حضور كثيف، تُحدق فينا بثلاث عيون… عينان من هذا العالم، والثالثة من عالم لا مرئي، لا ملموس، لكنه أكثر صدقا من كل ما هو مرئي.
هذه المرأة ليست مجرد شخصية مرسومة؛ إنها أسطورة لونية، كاهنة فنية تُجسد في ملامحها تناقضات الإنسان الحديث: وعيه المشوش، غربته في ذاته، وانجذابه نحو الماوراء.
العيون الثلاث، بحد ذاتها، ليست مجرد تفاصيل بصرية، بل رمز للبصيرة، الإدراك الباطني، والاتصال مع أبعاد أخرى من الوجود.
شعرها الأخضر الكثيف، المتماوج كالأمواج الفضائية، لا يحمل فقط جمالية اللون والحركة، بل يُمثل امتدادا حيا للطبيعة. تنبت منه فطرات حمراء كأنها رسائل من الغابة البدائية، تلك التي لم تطأها قدم الإنسان بعد.
ويختلط الأخضر بروح الأحمر في تناغم يدل على خصوبة الحياة، تَشابكها مع الخيال، وانصهارها في الجسد الأنثوي.
وعلى هامش هذا المشهد، يطلّ علينا قناع كائن فضائي، وديع، لا يرعب بل يبتسم ببراءة مُحيرة.
هل هو رمز لاختلافها؟ لغربتها؟ أم أنه وجهها الآخر، ذلك الذي تُخفيه عن عالم لا يحتمل التفرّد؟ إنه لا يغطي وجهها، بل يرافقه، وكأنها تتصالح مع اختلافها، بل وتُعلنه.
في الخلفية، يعبر كوكب زحل بحلقاته الشهيرة، وهلال ذهبي يضيء عالمها الليلي، ليؤكد أن هذه المرأة ليست أسيرة الأرض، بل ابنة الكون، تتنفس عبر المجرّات، وتُفكر خارج حدود الجاذبية.
اللون في هذه اللوحة ليس مجرد أداة، بل لغة.
الأحمر يُغنّي عن الحب والتمرد والدفء.
الأخضر يُنشد للحياة والبرية.
البنفسجي يهمس بالفكر والحلم والدهشة.
وكل تلك الألوان تُكمل بعضها كأنها كون مصغر يسكن امرأة.
هذه ليست لوحة عادية، بل أيقونة روحية، قصيدة صامتة،
تقول لنا دون أن تنطق:
“أنا أرى ما لا ترون…
أشعر بما لا تون…
أنا بنت الأرض… لكنني أنتمي للنجوم.”
إن ريشة الفنانة المبدعة، بنت واد سبو، سارة ظفر الله في زمن يغرق في السطحية، تُعيدنا هذه اللوحة إلى جوهر الأشياء.
إلى عوالم المرأة الداخلية، إلى علاقتها بالأرض والكون،
إلى بصيرتها، وحضورها المختلف الذي لا يحتاج لتفسير…
بل فقط، إلى التأمل

