فاجعة شفشاون: عندما تتحول حافلات “الخردة” وطرقات الموت إلى مقاصل للمواطنين

فاجعة شفشاون: عندما تتحول حافلات “الخردة” وطرقات الموت إلى مقاصل للمواطنين.

كتبها: جمال الدين ريان 

لم يكن صباح مدينة شفشاون قبل يوم أمس يحمل نسائم الجبل المعتادة، بل حمل معه فاجعة جديدة انضافت إلى سجل حوادث السير الدامية ببلادنا، بعدما انقلبت حافلة مسافرين كانت متجهة نحو الدار البيضاء، مخلفة وراءها قتيلتين في عمر الزهور وعشرات الجرحى والمصابين.

هذه الحادثة المأساوية ليست مجرد “قضاء وقدر” أو خطأ بشري معزول يمكن تعليقه على شماعة السائق كالعادة، بل هي جريمة مكتملة الأركان ناتجة عن استهتار ممنهج بأرواح المغاربة، وتجسيد صارخ لغياب المراقبة الصارمة التي تحولت بموجبها طرقاتنا إلى ساحات حرب مفتوحة.

إن استمرار تدفق حافلات متهالكة أشبه بـ “الخردة” المتحركة على شبكات الطرق الوطنية، والترخيص لها بنقل مئات المواطنين يومياً دون فحص تقني حقيقي وصارم، يضع وزارة النقل واللوجستيك في قفص الاتهام المباشر. كيف يعقل أن تسير آليات مهترئة تفتقر لأدنى شروط السلامة والراحة في منحدرات ومنعرجات وعرة كمنعرجات إقليم شفشاون؟

أين هي لجان المراقبة؟ وأين هي حركية الرادع الزجري ضد الشركات التي تقتات على حساب سلامة البسطاء؟ إن ترك الحبل على الغارب لهذه الناقلات الموتورة هو تواطؤ غير معلن مع الفوضى التي تودي بأرواح الأبرياء.

وعلى الجانب الآخر من هذه الكارثة، تبرز المسؤولية السياسية والأخلاقية لوزير التجهيز والماء، فالحديث عن مغرب يطور بنيته التحتية يصطدم بواقع مرير لطرقات تفتقر للتوسعة، والتشوير الكافي، والحواجز الوقائية في النقط السوداء.

إن البنية التحتية المهترئة في العديد من المحاور الطرقية بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة لم تعد بحاجة إلى تقارير جافة توضع في الرفوف، بل تحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية تنهي عزلة هذه المناطق وتحمي مستعملي الطريق من السقوط في الهاوية.

إن دماء ضحايا فاجعة شفشاون تطوق عنق كل من وزير النقل ووزير التجهيز، وتطالب بمساءلة حقيقية تتجاوز لغة البلاغات التنديدية وصيغ التعازي الجاهزة.

لم يعد مقبولاً تعليق الفشل التدبيري والرقابي على شماعة “العنصر البشري” بينما ترتع “حافلات الموت” في طرقات تفتقر للأمان، والمطلوب اليوم هو ربط حقيقي للمسؤولية بالمحاسبة، وفتح تحقيق شفاف يرتب الجزاءات على المسؤولين عن قطاع النقل والبنية التحتية، فالأرواح التي تزهق كل يوم ليست أرقاماً في إحصائيات سنوية، بل هي فواجع إنسانية تهز بيوتاً مغربية وتكشف عورة تدبير قطاعي يرفض استيعاب الدروس.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*