احتضنت مدينة أكادير يوم الأحد 28 يونيو 2026 فعاليات الملتقى الجهوي للتراث اللامادي الأمازيغي، الذي نظمه فرع أكادير تحت شعار “الأمازيغية… إرث الأجداد وأمانة الأجيال”، في محطة فكرية وثقافية جمعت باحثين ومثقفين وفاعلين جمعويين ومهتمين بالشأن الثقافي، حول قضية تمس جوهر الشخصية المغربية، وتفتح آفاقا جديدة للنقاش حول مكانة التراث في بناء الإنسان وصناعة المستقبل.
وجاء تنظيم هذا الملتقى امتدادا لمسار طويل راكمته جمعية الشعلة طوال أكثر من نصف قرن، حيث آمنت بأن الثقافة فعل مجتمعي متجدد، وأن العمل الثقافي يكتسب عمقه كلما انفتح على الذاكرة الجماعية، واستثمر عناصرها في تكوين الأجيال الجديدة. ومن هذا المنطلق، تحولت الملتقيات الفكرية والثقافية التي تنظمها الجمعية عبر مختلف جهات المملكة إلى مختبرات للحوار، وإلى فضاءات تنتج الأفكار، وتعيد قراءة التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي في ضوء موروثه الحضاري المتنوع.
واكتسب هذا الموعد بعدا خاصا، تزامنا مع احتفال فرع أكادير بالذكرى الخامسة والأربعين لتأسيسه، وهي مناسبة استحضرت مسيرة طويلة من العمل التربوي والثقافي، جعلت هذا الفرع واحدا من أبرز الفروع التي أسهمت في إشعاع جمعية الشعلة داخل جهة سوس ماسة، عبر برامج استهدفت الطفولة والشباب، وربطت الثقافة بالفعل المجتمعي، وحولت المبادرة الجمعوية إلى مدرسة لتكوين المواطن، وترسيخ قيم المشاركة والانفتاح والإبداع.
ومنذ اللحظات الأولى للملتقى، بدت الثقافة وهي تستعيد وظيفتها الأصيلة في جمع الناس حول المشترك الإنساني. فقد استقبلت فرق كناوة وأحواش المشاركين بأهازيج تنبع من عمق الأرض السوسية، وتختزن قرونا من الذاكرة الجماعية، فامتزج إيقاع الدفوف بحركة الأجساد، والتقت الموسيقى الشعبية بروح المكان، لتتحول قاعة العروض إلى فضاء نابض بالحياة، يشعر فيه الزائر أن التراث يعيش بين الناس، ويتنفس داخل تفاصيلهم اليومية، ويحمل قدرة متجددة على صناعة الفرح، وتعزيز روح الانتماء.
وفي كلمته الافتتاحية، رسم الأستاذ سعيد العزوزي، رئيس جمعية الشعلة للتربية والثقافة، الأفق الفكري الذي يتحرك داخله هذا الملتقى، مؤكدا أن الثقافة الأمازيغية تمثل أحد الأعمدة الراسخة للهوية المغربية، وأن التراث اللامادي يمثل ذاكرة المجتمع، ومخزونا من القيم والخبرات والتجارب التي راكمها الإنسان المغربي عبر التاريخ.
مشيرا إلى أن الأمم التي تحسن رعاية ذاكرتها تمتلك قدرة أكبر على صناعة مستقبلها، لأن التراث يشكل رصيدا استراتيجيا للتنمية، ويمنح المجتمعات عناصر القوة الرمزية التي تعزز حضورها داخل العالم. ومن هنا تبرز أهمية توثيق الموروث الثقافي، وصيانته، وإعادة إدماجه في الحياة التربوية والثقافية، حتى يظل حاضرا داخل وجدان الأجيال الجديدة، ويواصل أداء أدواره في بناء الشخصية الوطنية.
وتوقف رئيس الجمعية عند التجربة الرائدة لفرع أكادير، مثمنا خمسة وأربعين عاما من العمل المتواصل، ومن المبادرات التي جعلت الثقافة وسيلة للتربية، والحوار، وصناعة الأمل، معبرا عبر عن اعتزازه بالأجيال التي حملت مشعل الجمعية، وأسهمت في ترسيخ قيم التطوع، وخدمة الطفولة والشباب، وتعزيز إشعاع الحركة الجمعوية المغربية المؤمنة أن الثقافة الأمازيغية تشكل أحد أهم تلك الروافد الحضارية، بما تحمله من لغة وفنون وعادات ومعارف وأنماط عيش، أسهمت جميعها في صياغة الشخصية المغربية عبر مسار تاريخي طويل اتسم بالتفاعل والتكامل والتجديد.
وقد عكس برنامج الملتقى هذا التصور الفكري، حيث جمع بين البحث الأكاديمي والعروض الفنية، وبين النقاش العلمي والتعبير الشعبي، في رؤية تؤكد أن الثقافة لا تنحصر داخل الكتب وقاعات الجامعات، وإنما تعيش أيضًا في الساحات، والأغاني، والرقصات الجماعية، والحكايات، والطقوس، والأمثال، والحرف التقليدية، وكل ما ينتجه الإنسان من أشكال التعبير التي تمنح المجتمع خصوصيته وتميزه.
فالتراث اللامادي يمثل ذلك الرصيد غير المرئي الذي يسكن وجدان الناس، ويتجسد في اللغة، والموسيقى، والاحتفالات، والمهارات، وأساليب العيش، وأنماط التضامن، والعلاقات الاجتماعية، والمعارف المرتبطة بالطبيعة والبيئة. وهو ثروة حضارية تتجدد باستمرار، وتكتسب قيمتها من استمرار تداولها بين الأجيال، ومن قدرتها على التكيف مع التحولات التي يعرفها المجتمع.
وقد نجح الملتقى في نقل هذا التصور من مستوى الخطاب النظري إلى مستوى الممارسة، من خلال الجمع بين المعرفة الأكاديمية والعرض الفني، وبين التفكير العلمي والتجربة الحية، حيث شعر الحاضرون أن التراث يتحرك أمامهم، ويعبر عن نفسه بلغات متعددة، تجمع بين الكلمة والإيقاع والحركة والصورة.
وفي هذا السياق، جاءت الجلسة العلمية لتؤكد أن التراث اللامادي موضوع مفتوح على أسئلة الفكر والسوسيولوجيا والأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية، وأن صيانته تحتاج إلى البحث العلمي بقدر حاجتها إلى المبادرات المجتمعية، وإلى تعاون المؤسسات العمومية والجمعيات والجامعات والباحثين، حتى يتحول هذا الرصيد الحضاري إلى قوة اقتراحية تسهم في التنمية الثقافية والاجتماعية والاقتصادية.
وتواصلت أشغال الملتقى بجلسة علمية شكلت قلب هذا الموعد الثقافي، حيث فتحت الباب أمام قراءة متعددة الزوايا للتراث اللامادي الأمازيغي، وجمعت بين المقاربة الأنثروبولوجي، والتحليل السوسيولوجي، والدراسة التاريخية، في محاولة للإجابة عن سؤال جوهري يتعلق بكيفية صيانة الذاكرة الجماعية، وإعادة توظيفها في خدمة التنمية وبناء الإنسان.
واستهل الدكتور عز الدين الخراط مداخلته الموسومة بـ”الفرجات الأمازيغية بسوس من الطقس إلى الأداء”، مقدما رؤية علمية تنظر إلى الفرجة الشعبية باعتبارها ممارسة اجتماعية وثقافية تتجدد باستمرار، وتتفاعل مع التحولات التي يعرفها المجتمع. وأوضح أن الفرجات الأمازيغية لم تعد مجرد طقوس احتفالية مرتبطة بمواسم معينة، وإنما تحولت إلى فضاءات للتعبير عن القيم الجماعية، وإعادة إنتاج الذاكرة، وصياغة الخطاب الثقافي داخل المجتمع.
وأكد أن الجسد داخل هذه الفرجات يتحول إلى لغة قائمة بذاتها، تنقل الرسائل والرموز كما تنقلها الكلمة، وأن الحركة والإيقاع والموسيقى تشارك جميعها في بناء خطاب ثقافي يعكس رؤية المجتمع لذاته وللعالم من حوله. كما أبرز أن الفضاء الذي تحتضنه الفرجة يتحول إلى مجال للتواصل المباشر بين المؤدين والجمهور، حيث تتولد لحظة جماعية يشعر خلالها الجميع بأنهم شركاء في إنتاج الفعل الثقافي.
وتوقفت الدكتور عز الدين عند التحولات التي عرفتها الفرجات الأمازيغية مع انتشار الوسائط الرقمية، حيث أصبحت تنتقل من الساحة العمومية إلى المنصات الرقمية، فاتحة آفاقا جديدة أمام انتشارها، مع المحافظة على جوهرها الثقافي، وهو ما يمنحها قدرة كبيرة على الاستمرار والتجدد.
أما الدكتور السعيد صدقي فقد قاد الحضور في رحلة تاريخية ومعرفية داخل طقس بيلماون (بوجلود)، أحد أشهر الطقوس الاحتفالية بمنطقة سوس، مقدما قراءة علمية أبرزت مكانته ضمن منظومة التراث الثقافي اللامادي.
وانطلق الدكتور صدقي من سؤال يرتبط بموقع بيلماون داخل الذاكرة الجماعية المغربية، قبل أن تتوسع في تتبع مراحله التاريخية، ووظائفه الاجتماعية، ورموزه الثقافية، والعوامل التي ساهمت في تطور هذا الطقس عبر الأزمنة.
وأوضح الباحث أن بيلماون يمثل ممارسة اجتماعية حية استطاعت مواكبة التحولات التاريخية دون فقدان رصيدها الرمزي، حيث انتقلت وظائفه من أبعاد احتفالية وطقوسية إلى أدوار ثقافية وهوياتية وسياحية، تواكب التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي. كما أكد أن هذا الموروث يستجيب لمعايير التراث الثقافي اللامادي، ويستحق مزيدا من جهود التوثيق والحماية والتثمين، باعتباره جزءا من الذاكرة الوطنية، وعنصرا من عناصر الإشعاع الثقافي المغربي
أما الدكتور سيدي ماء العينين فقد منح النقاش بعدا سوسيولوجيا وفلسفيا، من خلال التأكيد على أن التراث اللامادي يعيش بفضل حركيته وقدرته على التفاعل مع محيطه، وأن قوة الثقافة الأمازيغية تكمن في انفتاحها التاريخي على مختلف الروافد الحضارية التي ساهمت في تشكيل الشخصية المغربية. موضحا أن التراث لا ينتقل إلى الأجيال في صورة جامدة، وإنما يتجدد عبر الممارسة اليومية، وعبر الاحتكاك المستمر بين الثقافات، وهو ما جعل جهة سوس تقدم نموذجا غنيا للتلاقح الحضاري، حيث تعايشت الفنون الشعبية، والمعارف الفلاحية، والحرف التقليدية، والروابط الروحية، داخل فضاء واحد أنتج ثقافة مغربية متماسكة ومتنوعة في آن واحد.
مشيرا إلى أن قوة التراث تتجلى عندما يتحول إلى عنصر يوحد المجتمع، ويعزز قيم التضامن والانتماء، ويفتح المجال أمام التنمية الثقافية والسياحية والاقتصادية، في انسجام مع الرؤية التي تجعل الثقافة استثمارا في الإنسان قبل أي اعتبار آخر.
وقد أبان النقاش الذي أعقب المداخلات عن مستوى كبير من التفاعل بين الباحثين والحضور، حيث طرحت أسئلة متعددة حول سبل توثيق التراث اللامادي، وآليات إشراك الشباب في صيانته، ودور المؤسسات التربوية والإعلامية والجمعيات في نقل هذا الرصيد الحضاري إلى الأجيال الصاعدة.
وأكد المتدخلون أن المحافظة على التراث تحتاج إلى رؤية مجتمعية شاملة، تجعل الثقافة جزءا من السياسات العمومية، وتربط بين البحث العلمي والعمل الميداني، حتى يتحول التراث إلى مورد للتنمية، وإلى فضاء لإنتاج المعرفة، وتعزيز الاقتصاد الثقافي.
كما شهد الملتقى تقديم عروض فنية أبدعت فيها فرق أحواش وكناوة، فامتزج الإيقاع بالحركة، واستحضرت الأهازيج الشعبية ذاكرة سوس، في مشاهد أكدت أن الفنون الشعبية ما تزال تحتفظ بقدرتها على جمع الناس حول قيم الفرح والتضامن والانتماء، وأن الثقافة الحية تواصل أداء رسالتها عبر الأجيال.
وفي أجواء مفعمة بروح الوفاء، عرف حفل الاختتام تكريم القيدوم الأستاذ الصديق راشدي، عضو المجلس الإداري لجمعية الشعلة للتربية والثقافة، اعترافا بما قدمه من عطاء متواصل في خدمة العمل التربوي والثقافي والجمعوي، حيث شكل هذا التكريم لحظة إنسانية استحضرت مسيرة جيل آمن بأن التربية والثقافة مدخلان أساسيان لبناء المجتمع.
كما جرى توزيع شواهد المشاركة على الباحثين والمشاركين، في تعبير عن تقدير الجهود الفكرية والتنظيمية التي ساهمت في إنجاح هذا الموعد الثقافي، وسط إشادة واسعة بحسن التنظيم، وبالمستوى العلمي للمداخلات، وبحضور جمهور نوعي تابع مختلف فقرات الملتقى باهتمام كبير.
ويؤكد هذا الملتقى أن جمعية الشعلة للتربية والثقافة تواصل ترسيخ مشروعها الثقافي على امتداد الوطن، عبر مبادرات تجعل الثقافة فضاء للحوار، ومجالا لإنتاج المعرفة، وجسرا للتواصل بين الأجيال. فمن ملتقيات الشعر والقصة والزجل والفكر والمرأة والثقافة الحسانية والطفل والإعلام، إلى ملتقيات التراث اللامادي، يتواصل بناء مشروع جمعوي يؤمن بأن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الإنسان، وأن الثقافة قادرة على صناعة مجتمع أكثر وعيا، وأكثر تماسكا، وأكثر قدرة على مواجهة تحولات العصر.
وقد نجح ملتقى أكادير للتراث اللامادي الأمازيغي في تقديم صورة مشرقة عن الثقافة المغربية، صورة تعكس عمق التاريخ، وغنى التنوع، وقوة التعايش بين مختلف الروافد الحضارية التي شكلت هوية المغرب عبر القرون. كما أكد أن التراث لا يعيش داخل المتاحف والوثائق وحدها، وإنما ينبض في ذاكرة الناس، وفي لغتهم، وأغانيهم، واحتفالاتهم، وحرفهم، وحكاياتهم، وكل تفاصيل حياتهم اليومية.



