المحامي كحاضن نفسي: بين تفريغ ضغوط الموكل واستعادة التوازن الذاتي.
*زهير أصدور
في عمق الممارسة المهنية للمحامي، تختفي أدوار تتجاوز الإطار القانوني الضيق.
فالمحامي ليس فقط من يُرافع أو يُدافع أو يُدوّن المذكرات والدفوع، بل هو في حالات كثيرة مستشار نفسي، وملجأ وجداني، وكتف إنساني يُسند موكّلًا مثقلاً بهموم الحياة والعدالة معًا.
العديد من الموكلين لا يأتون إلى مكاتب المحامين فقط بحثًا عن حق ضائع أو نص قانوني يُطبّق، بل يأتون محمّلين بمزيج من القلق، والخوف، والإحساس بالظلم، وأحيانًا الشعور بالعار أو الإخفاق.
المحامي هنا لا يُواجه خصمًا قانونيًا فحسب، بل يواجه طاقة سلبية قوية تُسقط عليه دون أن يشعر.
وقد يتحول المحامي نفسه إلى “وعاء” لهذه الطاقة، يتراكم فيه الغضب والارتباك واليأس دون أن يجد بدوره من يُفرّغ فيه هذا العبء النفسي الثقيل.
التفريغ النفسي ضرورة مهنية.
في ظل هذا الواقع، أصبح من الضروري أن يعترف الجسم المهني بدور التفريغ النفسي كأداة مهنية، وليس رفاهية شخصية. ويمكن تحقيق ذلك عبر:
• جلسات تأملية منظمة للمحامين: تنظم بشكل دوري داخل الهيئات أو المكاتب الكبرى، تُستثمر فيها تمارين التنفس العميق، واليقظة الذهنية (mindfulness)، لتحرير الجسم من توتر القضايا والموكلين والمرافعات.
• مجموعات دعم داخلية للمحامين: أشبه بحلقات اعتراف مهني (group debriefing)، يتقاسم فيها المحامون تجاربهم النفسية دون أحكام، ويتلقون دعمًا من بعضهم البعض.
• استعانة بعض المحامين بمدرب أو معالج نفسي مهني: ليس بسبب ضعف، بل لأنها آلية للحفاظ على المهنية والقدرة على التركيز والاستمرار.
إشكال الخطابة والمرافعة: من التوتر إلى التمكّن.
من نتائج الضغط النفسي المكبوت عند المحامي، أن يتأثر صوته، وطريقة ترافعه، وارتجاله، لا سيما في القضايا الشفوية. فكثير من المحامين يعانون من قلق الأداء أمام الهيئة القضائية، ليس بسبب ضعف معرفي أو قانوني، بل بسبب ضيق داخلي غير مفروز، وانفعالات لم يُعالجها.
ولذا، فإن تعزيز الثقة في الخطابة يتطلب:
• تدريبًا عمليًا منتظمًا على الترافع أمام زملاء أو مدربين متخصصين.
• تقنيات الاسترخاء الصوتي والتحكم في نبرة الصوت والنَفَس.
• تحرير العقل من ثقل القضية، ولو بشكل مؤقت، حتى لا تختلط المشاعر القانونية بالمشاعر الشخصية.
إن المحامي لا ينبغي أن يتحول إلى “ضحية مهنية” لصراعات الآخرين. والتوازن النفسي جزء من الكفاءة المهنية، تمامًا كما أن التمرين القانوني والبحث والاجتهاد من أدوات الترافع.
ولعل أبرز رسالة يمكن أن نُعيد ترديدها داخل الجسم المهني اليوم هي: أنت محامٍ، نعم، ولكنك أيضًا إنسان. لا تخجل من حاجتك إلى التفريغ.
