فنجان بدون سكر:
حوار بين مواطن وحضرة اليسار المغربي
بقلم : عبد الهادي بريويك
المواطن :
جئتُ لأُسائل لا لأعاتب…
هل ما زلتم هنا؟ أم رحلتم بصمت، كما رحل الكثيرون؟
اليسار المغربي:
نحن هنا… لم نرحل، لكن ضجيج المال قد غطى وفتحت شراهة بعض أعضاء جسمنا، حتى أصيبت بداء الاستيلاب،واللعاب من أجل المناصب قد تساقط، وسال من أفواه البعض من مكوناتنا ، وخيبات الناس جعلت كلماتنا تتكسر قبل أن تصل.
المواطن :
بل أنتم من اخترتم الغياب!
تركتم الناس وجها لوجه مع حكومة المال والاستعلاء، حكومة ترى الشعب أرقاماً في تقارير، لا بشراً يعيشون الألم كل يوم.
اليسار المغربي:
لم نختر الغياب، اخترنا أن نقاوم بطريقتنا، لكننا اعترفنا بأخطائنا، تنازلنا أحيانًا أكثر مما يجب، وتاهت البوصلة بين التحالفات والتكتيكات.
المواطن:
وماذا عن الوطن؟ عن الذين ينتظرون من يُعيد إليهم الثقة؟
هل صار الوطن رهينة الصفقات، وأصبحت الكرامة بندًا في جدول الاستثمار؟
اليسار المغربي:
ما تقوله موجع… لكنه حقيقي.
ربما آن الأوان لنعود إلى الشارع، لا كشعار، بل كفعل. إلى الجامعات، إلى المصانع، إلى الأحياء المنسية.
المواطن:
الناس لا يريدون معجزة… فقط من يُصغي إليهم، من يُدافع عنهم، من يقول: كفى استعلاءً! كفى تهميشًا! كفى بيعًا للأمل!
اليسار المغربي:
إذن ساعدونا ننهض. لا تبقوا متفرجين. النضال لا يكون من خارج الساحة.
المواطن:
لن نكون متفرجين، فقط لا تخذلونا مرة أخرى. كفى صمتًا، فالبلاد تُنهَب باسم التنمية، ويُصادَر الصوت باسم “الكفاءة
اليسار المغربي:
نَعِدك… إن عدنا، سنعود أوفياء للفكرة، لا للكرسي. للناس، لا للسلطة.
المواطن :
وحده الشعب يبقى، والوطن لا يُحمى بالصمت.
حين تحكمنا حكومات المال والاستعلاء، يصبح الخوف عادة، والسكوت خيانة.
إن اليسار حين يصمت، تخلو الساحة للباطل كي يتجمل، وللسوق أن يبتلع السياسة.
فعودوا… أيها اليساريون، لتحتلوا المقاعد، بلتوقظوا الضمائر.
عودوا كي نعيد للمغرب اسمه الحقيقي: وطن للكرامة، لا شركة للأسواق.
لأننا حين نفقد صوت العدالة، لن يبقى سوى صدى القهر
المواطن :
لقد أنهكنا الغلاء يا صاحبي…
أنهكتنا فاتورة الماء والكهرباء، ووصفة العلاج، وثمن الطبيب والصيدليات، وذُلّ الاستشفاء.
نحن في الجبال نعاني اختلاط الفرحة بالبكاء…
فرحة لا تكتمل، وبكاء لا يسمعه أحد.
لا شيء من الوطن سوى بطاقة هوية… ورقم في الإحصاء.
استبشرنا خيرًا بلجنة تقصّي الحقائق، فكانت الكارثة!
جعلت من “الفراقشية” أغنياء، وحرمتنا من أسمى الشعائر الدينية.
استبشرنا خيرًا…
لكن الحلم تبخّر، حين ذبلت الوردة، وظلّ الكتاب يُملي الحقيقة بينما دقت وردة اليسار آخر مسمار في نعش اليسار بمساهمتها في طمس الحقيقة.،
اليسار المغربي:
أشعر بك… نحن مثل الجسد،
إذا اشتكى عضو، تداعت له سائر الأعضاء بالسهر والحمى…
لكن إن أصبح العضو يهدد بَقاء الجسد، فلا خيار… إلا البتر.
حتى نستمر.
لقد أصبح اليسار، يا أخي، مثل مقصورات قطار…
يركبه من يريد الوصول، لا من يريد السير مع الرفاق.
كل له محطته…
منهم من يغادر عند أول تعب،
ومنهم من لا يرى في الرحلة سوى سلّم لمصلحةعابرة.
ونحن؟
نحن مَن بقينا في العربة الأخيرة، حيث البرد والضجيج،
لكننا نحمل الحلم.
رغم انقسامنا… ما زال في القلب مكانٌ للوطن.
رغم سقوطنا… ما زال في الذاكرة طيف من عدالة.
المواطن :
رغم كل شيء… لم أكرهكم.
كنت أغضب، أجل، وألعنكم أحيانًا…
لكن في داخلي، كنت أقول: لعلهم يعودون.
لعلّ ما بيننا لم يمت تمامًا.
اليسار المغربي:
نحن من أخطأنا… حين صدّقنا أن الفكرة تُختزل في حزب.
أن القضية تُدار من مقعد داخل قبة البرلمان.
ونسينا أن قوتها كانت دوما في الشارع، في الضمير، في وضوح الموقف.
المواطن:
إذن فلنبدأ من هنا.
من لا شيء…
من أول دار شباب مغلقة، من أول مدرسة آيلة للسقوط.
من أول أم تبكي في طابور المستشفى.
اليسار المغربي :
أنا لست قائدا… أنا فرد في الصف.
وكلما سار الصفُّ، عاد الوطن إلى رشده.
المواطن
رغم كل شيء… لم أكرهكم.
غضبت، نعم. هاجمتكم أحيانا.
لكن شيئا في داخلي… كان يقول:
ربما يعودون. ربما ما بيننا لم يمت بعد.
اليسار المغربي
ونحن أيضا… فقدنا الطريق حين صدقنا أن الفكر يُختزل في مقعد،
وأن السياسة تُدار من قبة باردة، لا من نبض الشارع.
نسينا أن قوتنا لم تكن في الخطابة، بل في وضوح الموقف…
وفي خدمة الناس، لا قيادتهم من فوق.
سنعود… لا لنقنعكم بنا، بل لنكون معكم.
لن نرفع صورا قديمة، بل نبني مشهدا جديدا.
هذا الوطن لا يحتاج لمن يتكلم باسمه،
بل لمن يمشي في صمته… ويعمل في خفائه.
المواطن
عُد… لكن لا تعُد وحدك.
تعال معنا، لا فوقنا.
اليسار المغربي
بصوت يحمل للمرة الأولى نبرة بشرية لا شعارات
أنا لست قائدًا… أنا فرد في الصف.
وكلما تقدّم الصف، تقدّم الوطن.
الكاتب
وهكذا…
من بين الحطام، خرج صوت.
ليس صراخًا، ولا خطابة، بل همسٌ خافت يحمل بذرة رجوع.
رجوع لا إلى السلطة… بل إلى الشعب.
رجوع لا إلى الميكروفون… بل إلى الميدان.
إن هذا الوطن، لا يُختزل في حزب، ولا يُباع في صندوق اقتراع.
هو بيتٌ مشترك… يسع الجميع إن حُمِل بالعدل لا بالطموح الفردي.
فليعد اليسار إلى جذوره،
وليعُد المواطن إلى ثقته،
فحين يولد الأمل من صدق الاعتراف… لا يموت أبدًا.
حرر بالرباط يوليوز 2025
