تحليل نقدي: “الزعيم الذي لم يعُد يُسمع”
بقلم : عبدالهادي بريويك
في زاوية هادئة من المدينة، تلفاز معلق في أحد المقاهي يبث حوارًا مع رئيس الحكومة.
الكلمات تتدفق، الوعود تتكرر، واللغة الرسمية تتماسك كما اعتادت منذ سنين، لكن شيئًا واحدًا ينقص المشهد: الناس.
المقهى خالٍ من مرتاديه، المقاعد تنتظر من يجلس، بينما يعلو صوت الرئيس في الفراغ.
مشهد كهذا لا يحتاج لتعليق سياسي، بل يكفي أن يُرى ليفضح الواقع: الشعب لم يعد مهتمًا.
في زمن الأزمات، حين تضيق الحياة اليومية على الناس، لا يصبح المسؤول الحكومي محور الاهتمام، بل يُنظر إليه كمجرد صدى بعيد لا يصل صداه إلى الواقع.
الفراغ هنا ليس في المقهى فقط، بل في العلاقة بين الحاكم والمحكوم، بين الخطاب والواقع، بين ما يُقال وما يُعاش.
رئيس الحكومة، الذي كان يومًا يُتابَع بشغف، لم يعُد يُثير إلا الصمت.
شعبيته التي تآكلت مع الوقت لم تعد بحاجة إلى استطلاعات لتُقاس، فالمقاهي تقول الحقيقة، بصمتها الصارخ.
بث مباشر. شاشة مضيئة. رئيس الحكومة يتحدث بحماسة عن “إنجازات المرحلة”. في المقهى، الكراسي مصطفة بدقة، وكأنها تتهيأ لتحية زعيم الأمة… لكن لا أحد هناك.
هل الشعب مشغول؟ ربما.
هل الجميع يتابع من المنزل؟ ممكن.
أم أن الجميع ينتظر الإعادة؟ وارد جدًا.
لكن الحقيقة الأكثر ترجيحًا؟
لا أحد يهتم.
هذا ليس عزوفًا عن السياسة الحكومية.
فقط، بل اعتزال جماعي لحالة من الملل الوطني. رئيس الحكومة يتحدث عن الإصلاحات، بينما المواطن يبحث عن إصلاح ثمن قهوته. المفارقة ساخرة: زعيم يتحدث ولا أحد يستمع، مقهى فارغ أكثر من خزينة الدولة.
قد يخرج علينا البعض قائلًا: “الدليل على أن الشعب يُحب زعيمه، هو أنه لا يحتاج لسماعه، لأنه يثق به!”
لكن الصورة تقول العكس تمامًا:
الناس تعبوا من الكلام.
