*مقال رأي* :
*التقاط نبض الشارع… عندما تُصغي السياسة إلى وجع الشباب*
*بقلم: عبدالهادي بريويك*
في لحظة دقيقة من الزمن السياسي والاجتماعي المغربي، تتعالى أصوات شابة تطالب بالكرامة، وتندد بالتهميش، وترفع شعار “كفى” في وجه واقع لا يرقى إلى تطلعاتها.
في هذا السياق، يبرز موقف حزب التقدم والاشتراكية كواحد من المواقف السياسية القليلة التي اختارت الإنصات بدل التبرير، والتفكير بدل التهويل.
*بين الواقعية والانحياز للمواطن*
الموقف الصادر عن المكتب السياسي للحزب، في فاتح أكتوبر 2025، لا يُمكن اختزاله في بيان ظرفي أو رد فعل آني. بل هو ثمرة مسار طويل من التموقع إلى جانب الفئات الشعبية، واختيار واضح لخط إصلاحي واقعي، يُقارب الأزمة الاجتماعية من جذورها لا من مظاهرها فقط.
الحزب لم يكتف بتسجيل التضامن أو التعبير عن القلق، بل ربط بذكاء بين حراك الشارع الشبابي وتراكمات بنيوية في السياسات العمومية، من تدهور التعليم العمومي، إلى ضعف المنظومة الصحية، مرورًا بأزمة التشغيل وغياب آفاق واضحة للاندماج الاجتماعي. هذه القراءة ليست ترفًا فكريًا، بل شرط أساسي لكل تعاطٍ سياسي مسؤول مع الواقع.
*شرعية المطالب* :
ما يُحسب لحزب التقدم والاشتراكية هو وضوحه في الاعتراف بشرعية المطالب.
لا محاولة للتمييع، ولا تجميل للواقع، ولا تهرّب من المساءلة السياسية. هذا الموقف يُعيد للسياسة بعضًا من بريقها، ويؤسس لخطاب بديل عن ذاك الذي يُشيطن الاحتجاجات أو يختزلها في انفلاتات ظرفية.
القول بأن “الرسالة وصلت” لا يجب أن يُقرأ كدعوة للتهدئة فقط، بل كمؤشر على ضرورة فتح قنوات جديدة للوساطة والحوار، تُعيد الاعتبار لصوت الشارع وتُخرجه من الهامش إلى قلب النقاش العمومي.
*الاحتجاج السلمي حق… والعنف مرفوض من الجميع*
في ظل ارتفاع منسوب التوتر، اختار الحزب خطابًا عقلانيًا يُدين العنف من أي جهة صدر.
وهو بذلك يؤكد أن الحق في الاحتجاج لا يجب أن يُفرغ من مضمونه، ولكن أيضًا لا يجب أن يُستغل لتبرير الفوضى أو القمع. هذه المقاربة المتوازنة تجعل من الحزب فاعلاً سياسيًا يُحسن التقدير بين الحفاظ على السلم الاجتماعي وضمان الحريات.
*الخدمات العمومية… المدخل الحقيقي للعدالة*
حين يدافع الحزب عن المدرسة العمومية والجامعة والمستشفى، فهو لا يغازل الشارع فقط، بل يضع يده على جوهر الإشكال: غياب العدالة المجالية والاجتماعية.
لقد أثبتت التجارب، محليًا ودوليًا، أن لا ديمقراطية بدون تنمية، ولا استقرار بدون أمل، ولا أمل بدون خدمات عمومية تحفظ كرامة المواطن.
من هنا، يُمكن قراءة موقف الحزب كدعوة صريحة لإعادة الاعتبار لوظيفة الدولة الاجتماعية، ليس كشعار انتخابي، بل كمشروع مجتمعي يعيد صياغة العلاقة بين الدولة والمواطن على أساس من الكرامة والثقة.
*في الحاجة إلى سياسة نبيلة*
المغزى العميق من هذا التصريح أن السياسة لا تزال قادرة على أن تكون فنًا للاستماع، لا مجرد أداة للتبرير.
وأن الأحزاب، متى اختارت الاصطفاف إلى جانب الناس، بإمكانها أن تُرمم جسور الثقة وتُعيد المعنى للعمل السياسي.
دعوة الحزب إلى دعم الوساطة، والنقابات، والجمعيات، ليست فقط دعوة لتقوية النسيج المدني، بل أيضًا محاولة لتجديد دماء السياسة من خلال انفتاحها على مطالب المجتمع بدل الارتهان لنخب مغلقة أو حسابات ضيقة.
*نهاية، بين الغضب والأمل*
ما بين غضب الشارع وانتظارات الشباب، وما بين استعصاء الإصلاح وسؤال المستقبل، يظهر أن لحظة المغرب الراهنة تتطلب خطابا سياسيا جديدا، صادقا، وجريئا.
تصريح حزب التقدم والاشتراكية، وإن لم يكن كافيا لوحده، يُمثل نموذجا واعدا في كيفية التعاطي مع اللحظات الحرجة: لا بالهروب إلى الأمام، ولا بالتخويف، بل بطرح الأسئلة الحقيقية، والبحث عن أجوبة مشتركة.
فالسياسة التي تصغي للناس، وترافع من أجلهم، وتؤمن بالإصلاح التدريجي العادل، تملك دائما فرصة أن تكون جزءا من الحل، لا من المشكلة.
