طرقات المغرب: فشل يُدار بالتصريحات
سياسي: رشيد لمسلم
لم تعد طرقات المغرب مجرد بنية تحتية للنقل، بل تحولت إلى فضاء مفتوح لفقدان الأرواح، في ظل عجز واضح للسياسات العمومية عن وقف النزيف المتواصل.
فبينما تتصاعد أعداد القتلى والمصابين بشكل غير مسبوق، يواصل مسؤولو قطاع النقل تسويق خطاب الاستراتيجيات والاجتماعات، وكأن المشكلة في الصياغة لا في التدبير.
الواقع أن الأرقام الرسمية لم تعد قابلة للإنكار.
خلال أحد عشر شهرًا فقط من سنة 2025، سُجّل ارتفاع مهول في عدد وفيات حوادث السير بنسبة 25,7 في المائة، ليتجاوز عدد الضحايا 4160 قتيلًا.
إنها حصيلة ثقيلة، لا تطرح فقط سؤال النجاعة، بل تضع المسؤولين أمام مسؤولية سياسية وأخلاقية مباشرة.
اجتماع اللجنة الدائمة للسلامة الطرقية،او ما أصبح يسمى بالوكالة الوطنية للسلامة الطرقية”نارسا” الذي احتضنته الرباط برئاسة وزير النقل واللوجيستيك عبد الصمد قيوح، لم يخرج عن السياق المعتاد: تشخيص متأخر، واعتراف جزئي بالتدهور، ثم وعد باستراتيجية جديدة للفترة المقبلة. اعتراف الوزير بـ”التراجع المقلق” و”المنحى التصاعدي” للحوادث لا يمكن أن يكون نهاية النقاش، بل بدايته.
فالسؤال الحقيقي لا يتعلق بعدد الاجتماعات ولا بعدد المخططات، بل بمن دبر هذا الملف طوال السنوات الماضية. الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية ظلت تمسك بزمام القطاع دون انقطاع، بقيادة لم تتغير رغم توالي الإخفاقات.
مدير الوكالة ظل في موقعه، بينما كانت الطرق تحصد الأرواح، والاستراتيجيات تتساقط واحدة تلو الأخرى دون تقييم جدي أو محاسبة واضحة.
كيف يمكن الحديث عن إصلاح جديد دون الوقوف عند فشل الاستراتيجية السابقة؟
وأين ذهبت المليارات التي صُرفت على أنظمة المراقبة الذكية، والمنصات الرقمية، والحملات التحسيسية التي لم تغيّر من سلوك الطريق شيئًا يُذكر؟
وهل يُعقل أن يُطلب من المواطنين الانضباط لقواعد السير، في وقت تغيب فيه القدوة والمساءلة في قمة الهرم الإداري؟
الأخطر في هذا المشهد أن الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية ما تزال تُقدَّم كجهاز تقني محايد، في حين أنها لاعب أساسي في توجيه السياسات والصفقات وأولويات الإنفاق. ورغم هذا الدور المحوري، يظل النقاش حول تغيير القيادة أو ربط المسؤولية بالمحاسبة شبه غائب، في مشهد يعزز الإحساس العام بوجود مواقع إدارية محصنة من المساءلة.
المغاربة لا ينتظرون شعارات جديدة ولا حملات إشهارية موسمية.
ما ينتظرونه هو نتائج ملموسة، وإدارة فعالة، وربط صريح بين الفشل وتحمل المسؤولية.
فالسلامة الطرقية ليست ورشًا للتجريب، ولا مجالًا لتدوير الأسماء نفسها، بل قضية حياة أو موت.
وكل تأخير في اتخاذ قرارات شجاعة، تبدأ بالمحاسبة وتنتهي بالإصلاح الحقيقي، يعني ببساطة سقوط ضحايا جدد على طرقات لم تعد تؤدي وظيفة العبور، بقدر ما أصبحت شاهدة على فشلٍ مستمر في حماية أبسط حق: الحق في الحياة.
