أجي تفهم… قبل ما تندم!!!!!
بقلم الدكتور سيدي علي ماء العينين، أفق 2026.
دعونا اليوم، ونحن نعيش المنعطفات الحاسمة لعام 2026، نجازف ونقتحم الزاوية المظلمة في الوضع ببلادنا.
دعونا ننساق وراء الأسئلة المتداولة، ونبحث عن معقولية طرحها قبل البحث عن أجوبة لها.
سؤال خبيث، مقلق، حارق فارق، جاد وحاد، يفرض نفسه اليوم أكثر من أي وقت مضى:
هل الدولة بمؤسساتها أصبحت رهينة في أيدي لوبيات الاقتصاد الوطني وتوصيات المانحين الدوليين؟
اللوبي تعبير سياسي يعني مجموعة أو مجموعات الضغط. يستخدم هذا الوصف لجماعات ظاهرة أو خفية تحاول أن تؤثر على قرارات دولة أومؤسسة.
ويضم اللوبي عادة مجموعات أو مجموعة منظمة ولها أهداف ومصالح بعيدة المدى من خلال التأثير على صناع القرار، وقد يتشكل اللوبي من أصحاب أموال يؤثرون على السياسة العامة.
وللصحافة والإعلام دور حاسم في نشاط بعض اللوبيات.
استُعمل هذا المصطلح في المجال السياسي في السنوات الماضية، وذلك لوصف مراكز قوى خارج إطار التسلسل الإداري للدول، ترتبط بشبكة من المصالح عابرة للمؤسسات وللتقسيمات الإدارية، مما يمكنها من الإمساك بالمفاصل الرئيسية للدول ويجعل من عملية التغيير والتطوير والإصلاح عملية صعبة إن لم تكن مستحيلة، حيث ترى فيها خطراً وجودياً يتهدد مصالحها.
وغالبًا ما تتمثل في مجموعة من الأشخاص ومن مستويات وظيفية مختلفة تتحكم بأحد مفاصل المؤسسة المهمة، وتحكم السيطرة عليه مع الوقت، وذلك من أجل ضمان تغييب البديل، وبالتالي أخذ المؤسسة رهينة بين أيديهم يتحكمون بالكثير من قراراتها ويوجهونها بما يخدم أهدافهم الخاصة.
وللزيادة في تدقيق المفاهيم، فإن استعمالنا لكلمة “رهينة” في السؤال أعلاه؛ فالرهينة هو شخص يتم احتجازه سجيناً بقصد الإجبار على الإيفاء باتفاق أو طلب.
ويعرف مصطلح “الرهينة” عند المغاربة بعقد يتم بين مالك المنزل ومَن يكتري منه بمبلغ زهيد أو منعدم، مقابل أن يسلف المكتري مالك المنزل مبلغاً من المال محدداً لمدة زمنية معينة حسب ما يتفق عليه الطرفان.
لوبيات المال كان لها دائماً تواجد في السياسة ولكن ليس بشكل مباشر، ولكن عبر دعم وتمويل أحزاب للدفاع بالنيابة عن مصالحها.
وبمجيء حزب الأصالة والمعاصرة تم إدماج رجال الأعمال بشكل مباشر في الحياة السياسية، وكان اعتماد نظام اللائحة في الانتخابات إحدى البوابات لهذا الإدماج.
الأحزاب الوطنية لم تقاوم هذا التوجه الذي يهدد وجودها، بل ركبت الموجة وأعلنت برنامج الانفتاح والأبواب المفتوحة، وقبلت بوجوه فُرضت عليها من رجال المال والأعمال لقيادة أغلب المدن المغربية منذ محطة 2003. بعدها أُطلقت يد هؤلاء في الانتخابات، وأصبحت الدولة مغمضة العينين أمام الاستعمال المفرط للمال، وتعمق هذا الأمر مع توالي المحطات وصولاً إلى ما نعيشه ونعاينه اليوم ونحن في غمار الحراك الانتخابي لعام 2026؛ بداية من حجم الأموال التي تُصرف ولا تُعلن في بيان أموال الحملات المودعة قانونياً لدى وزارة الداخلية، ومن شراء الأصوات للتأثير على الناخبين.
وفي نفس الوقت كانت الدولة حريصة دائماً أن تعلن كل الأحزاب المشاركة أن العمليات الانتخابية تمر في أجواء سليمة أو غير مطعون في نتائجها.
فتطابقت رؤية الدولة مع رؤية الأحزاب مع رجال المال والأعمال، والنتيجة توغل مالي في الحياة السياسية يجعل المثقف والمناضل في خدمة أصحاب “الشكارة”.
فأُغرق البرلمان بأصحاب المال الذين أفقدوا المؤسسة التشريعية حسها الإصلاحي والنقدي، وتحولت إلى واجهة لاحتماء أصحاب المال لمنع قوانين تمس مصالحهم وتمرير أخرى تحميهم ومالهم.
أما في المؤسسات المنتخبة، فالدولة لا تسأل المنتخبين: من أين لك هذا؟ وهي تعاين منتخبين من الطبقة الوسطى يقتنون ويمتلكون العقارات والسيارات والضيعات… واكتملت الصورة عندما أقرت الدولة تعويضات خيالية للمنتخبين نظير مهامهم في مختلف الواجهات، وتصادف ـ أو تم بشكل متعمد مخطط له ـ إقرار هذه التعويضات بمجيء الإسلاميين إلى السلطة في تجارب سابقة.
والوزير الذي جاء إلى القصر بسيارته المهترئة والمعبأة بـ 100 درهم من الوقود وتباهى بها أمام الشعب وسماها “سيارة الشعب”، لا يجد حرجاً وهو يغادر المسؤولية أن يقف أمام الفيلا التي يسكنها بعد أن غادر حيه البئيس ومدينته النائية، ويوقف سيارته الفارهة بعد أن باع سيارة الشعب لمواطن من أبناء الشعب!!! فالفيلا والسيارة ـ حسب ما يريد أن يقنع به الشعب ـ جناها من تعويضات مستحقة عن انتدابات انتخابية ومهام حكومية!!!
لم يتوقف توغل رجال المال عند هذا الحد، بل تطور ليصل إلى مراكز القرار عبر “امتلاك” حكومة بأكملها، وأصبحت الحكومة في خدمة رجال المال وليس في خدمة المواطنين، وهو الوضع الذي تكرس وتجذر على مدى السنوات الأخيرة.
وبهذا المنطق، حين يقر ملك البلاد تنزيل برامج ذات طابع اجتماعي، تجد المؤسسات تبارح مكانها وتشتغل بشكل بطيء؛ كما هو الحال في التعثر المستمر لإعادة إسكان متضرري الزلزال رغم مرور السنوات، وبطء تعميم التغطية الاجتماعية، والتخبط في معايير المؤشر عند الأسر المدعمة، وأزمة منظومة التعليم التي تراوح مكانها… كل هذه القطاعات تشكل أهمية لاستقرار نظام الدولة، لذلك يلح عليها ملك البلاد الراعي لرعاياه المؤتمن على مصالحهم، لكنها عند أصحاب المال والمانحين قطاعات غير منتجة.
بهكذا منطق تختلف الأولويات، حتى يصبح صاحب “الشكارة” الذي يترأس جماعة ترابية ـ وهو يستعد لإعادة ترشيح نفسه في انتخابات 2026 الحالية ـ يرى أن تنظيم مهرجان بنصف ميزانية الجماعة له الأولوية على التعجيل بصرف منح جمعيات تشتغل في محاربة الأمية، أو بناء قنطرة، أو إحداث وإصلاح مسالك جبلية!!!!
في كثير من الدول يكون لوبي المال هو لوبي ضغط على المسؤولين والساسة والحاكمين لحماية مصالح رجال المال والأعمال، لكن في مغرب اليوم هذا اللوبي لم يعد لوبي ضغط، بل أصبح هو المستحوذ على الساسة والسياسيين والأحزاب والجماعات والغرف والبرلمان والحكومة!!!
بعد كل هذا، وفي ظل ما تسفر عنه كواليس ومقدمات هذا العام الانتخابي 2026، هل السؤال:
هل الدولة بمؤسساتها أصبحت رهينة في أيدي لوبيات الاقتصاد الوطني وتوصيات المانحين الدوليين؟
سؤال خبيث، مقلق، حارق فارق، جاد وحاد؟
أم أننا تهنا تماماً في الزاوية المظلمة؟
فهل تعتبرون؟
