الفيلم الوثائقي ( قضية الشكل الاول الشكل الثاني ) لعباس كيروستامي

الفيلم الوثائقي ( قضية الشكل الاول الشكل الثاني ) لعباس كيروستامي .

كتبها: حفيظ البدري

من الصفّ المدرسي إلى الدولة: الوشاية بين الأخلاق والسياسة في فيلم عباس كيروستامي والواقع الإيراني.

يبدو فيلم “قضية الشكل الأول، الشكل الثاني” لعباس كيروستامي للوهلة الأولى تمرينًا بسيطًا في الأخلاق التربوية: تلميذ يُحدث فوضى، ومدرّس يطالب المجموعة بالكشف عنه.

لكن هذا البناء البسيط يخفي في عمقه سؤالًا معقدًا يتجاوز جدران المدرسة ليصل إلى بنية المجتمع والدولة: هل الاعتراف واجب أخلاقي مطلق؟ أم أن التضامن ورفض الوشاية قيمة أعلى؟

اليوم، ومع الحديث عن الاختراقات الاستخباراتية التي تعرضت لها إيران، يُعاد طرح هذا السؤال في سياق أكثر خطورة وتعقيدًا.

فالدولة، مثل الفصل الدراسي في الفيلم، تواجه حالة من “الخلل الداخلي”، لكن بدل ضوضاء تلميذ، هناك تسريبات، تجسس، واختراقات يُشتبه أنها تمت بتعاون داخلي.

هنا يتحول السؤال من أخلاقي فردي إلى مسألة أمن قومي: من هو “الفاعل”، ومن المسؤول عن كشفه؟

في الفيلم، ينقسم الناس بين من يرى أن الاعتراف هو الطريق الصحيح لأنه يعيد النظام ويحمي الجماعة، ومن يرى أن الوشاية خيانة، وأن التضامن- مع المخطئ- هو موقف أخلاقي أعلى.

هذا الانقسام نفسه يظهر في الواقع السياسي.

في سياق الحرب الاستخباراتية، يصبح “المخبر” شخصية مزدوجة:

من جهة، يُنظر إليه كخائن لأنه تعاون مع قوة خارجية.

ومن جهة أخرى، قد يُقدَّم في بعض الخطابات كفرد تصرّف بدافع قناعة و رغبة في التغيير .

لكن الفرق الجوهري بين الفضاءين—الفيلم والواقع—هو طبيعة السلطة.

في الفيلم، السلطة محدودة ومجردة (مدرّس)، بينما في الدولة، السلطة معقدة، متشابكة، وقد تكون محل نزاع أو شك.

هذا يجعل فعل الوشاية أكثر التباسًا: هل هو خدمة للعدالة، أم أداة بيد قوة خارجية لإضعاف المجتمع؟

الاختراق الاستخباراتي يعتمد أساسًا على كسر الثقة داخل الجماعة.

وهنا تتقاطع الفكرة مع “الشكل الثاني” في الفيلم، حيث يرفض الجميع الاعتراف، فيتجسد نوع من التضامن الصامت.

هذا التضامن، في سياق الدولة، يمكن أن يكون مصدر قوة، لكنه قد يتحول أيضًا إلى غطاء للفساد أو الاختراق إذا غابت الشفافية.

في المقابل، “الشكل الأول”—حيث يعترف أحدهم—يمثل منطق النظام والانضباط، لكنه يحمل خطر تحويل المجتمع إلى شبكة مراقبة ذاتية، حيث يصبح كل فرد مشروع “مخبر”.

وهذا بالضبط ما تخشاه المجتمعات في زمن الحروب الاستخباراتية: أن تتحول العلاقات الإنسانية إلى علاقات شك دائم.

ما يقدمه كيروستامي ليس إجابة، بل مرآة. فالفيلم لا يقول لنا أي الخيارين صحيح، بل يكشف أن كل خيار يحمل ثمنًا. الاعتراف قد يحمي النظام لكنه يهدد الثقة، والتضامن قد يحمي الروابط لكنه يعرّض الجماعة / النظام للخطر.

في الحالة الإيرانية، كما في أي دولة تواجه اختراقًا، التحدي الحقيقي ليس فقط في كشف “المخبر”، بل في بناء توازن دقيق بين الأمن والثقة.

لأن الدولة التي تعتمد فقط على الوشاية تفقد تماسكها، والدولة التي ترفض الاعتراف كليًا قد تصبح عرضة للاختراق.

هكذا، يتحول سؤال طفل في فصل دراسي إلى معضلة دولة:

كيف نحمي أنفسنا دون أن نفقد أنفسنا؟

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*