في ذكرى ضحايا الهولوكوست
كتبها: فيصل مرجاني
في الذكرى السنوية لضحايا الهولوكوست، لا يمكن للوعي الأكاديمي الجاد إلا أن يتوقف عند مفترق إشكالي عميق، حيث يتقاطع البعد التاريخي مع التحليل السياسي، والاجتماعي، والفلسفي، والثقافي، في محاولة لفهم واحدة من أكثر المآسي الإنسانية فداحةً في التاريخ المعاصر.
إن هذا الحدث لا يندرج فقط ضمن سجل الذاكرة الجماعية، بل يشكّل اختبارًا أخلاقيًا ومعرفيًا لمدى قدرة المجتمعات على استيعاب ماضيها دون إنكار أو تحريف.
غير أن ما يثير القلق على المستوى الإبستمولوجي هو استمرار تسلل أطروحات إنكارية إلى بعض الفضاءات الجامعية، حيث لا تزال تُقبل في حالات معزولة ولكن دالة أبحاث أكاديمية لنيل درجات الماستر أو الدكتوراه تقوم على فرضيات تُشكك في حقيقة الهولوكوست أو تختزله في سردية مؤامراتية.
هذا الانزلاق لا يعكس فقط خللًا منهجيًا في معايير البحث العلمي، بل يكشف أيضًا عن أزمة في أخلاقيات المعرفة، حيث يُستبدل التحقيق النقدي الرصين بنزعات أيديولوجية تُفرغ البحث الأكاديمي من جوهره.
وفي الإطار السياسي، فإن استمرار بعض الزعامات في العالمين العربي والإسلامي في إنكار هذه المأساة أو التقليل من شأنها، يطرح إشكالية مزدوجة: فمن جهة، يُضعف ذلك من مصداقية الخطاب السياسي في دفاعه عن القيم الإنسانية الكونية؛ ومن جهة أخرى، يُعيد إنتاج منطق الانتقائية الأخلاقية الذي يُدين الظلم حين يصيب طرفًا، ويتغاضى عنه حين يطال آخر.
إن إنكار إبادة أودت بحياة ملايين المدنيين، فقط لانتمائهم الديني أو الإثني، لا يمكن تبريره بأي سياق سياسي أو تاريخي، بل يُعدّ إخلالًا فادحًا بمبدأ الكرامة الإنسانية.
ومن زاوية تحليلية أوسع، يبرز سؤال ذو طبيعة فلسفية-سياسية عميقة: إلى أي حدّ انخرطت الدبلوماسيات العربية والإسلامية في مقاربة نقدية لذاكرة الهولوكوست؟
وهل قام سفراء هذه الدول في بولونيا بزيارات رسمية إلى موقع أوشفيتز-بيركيناو، باعتباره أحد أبرز رموز الإبادة الجماعية في القرن العشرين؟ ثم هل أدرج قادة هذه الدول، خلال زياراتهم الرسمية ل بولونيا، هذا الموقع ضمن أجنداتهم، في إطار اعتراف رمزي بحجم المأساة وسعي نحو ترسيخ ذاكرة إنسانية مشتركة؟
وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى ما جاء في رسالة الملك محمد السادس إلى المشاركين في مؤتمر علاء الدين سنة 2009, والتي قال فيها:
“إن قراءتي للهولوكست، وقراءة شعبي لهذه المأساة، لتنأيان تماما عن تلك المقاربات، التي تعكس نوعا من أنواع الإصابة بفقدان الذاكرة.”
إن هذه الصياغة لا يمكن اختزالها في بعدها الرمزي أو في كونها مجرد تعبير دبلوماسي، بل تتجاوز ذلك نحو إبراز مفهوم أكثر عمقًا يتعلق بـالمصالحة مع الذاكرة الإنسانية المشتركة، باعتبارها فعلًا أخلاقيًا يتجاوز حدود الجغرافيا والانتماء الوطني، ما دام الأمر يتعلق بمأساة تنتمي إلى التاريخ الإنساني الكوني ولا يمكن حصرها في سياق محلي أو إقليمي بعينه. فالمسألة هنا ليست بناء شرعية سياسية، بل تأسيس علاقة معرفية وأخلاقية مع الماضي كما هو، لا كما يُراد إعادة تشكيله أو تأويله إيديولوجيًا.
وفي مستوى أعمق من التحليل، تبرز إشكالية جوهرية تتعلق بكيفية التعامل مع الذاكرة حين تُستدعى خارج منطق الاعتراف، حيث تتقاطع المقاربات الإيديولوجية مع القراءات الدوغمائية التي تميل إلى الانتقاء والتجزئة الأخلاقية، فتُقرّ بجزء من المأساة وتُقصي أجزاء أخرى، أو تعيد ترتيب الوقائع وفق منطق الاصطفاف بدل منطق الفهم التاريخي. هذا المنطق الانتقائي يُفرغ الذاكرة من بعدها الإنساني الكوني، ويحوّلها إلى أداة قابلة للتوظيف بدل أن تكون مجالًا للمصالحة والتأمل النقدي.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في الإنكار الصريح، بل أيضًا في إعادة إنتاج الذاكرة داخل أطر مغلقة تُقصي التعقيد التاريخي وتستبدله بسرديات جاهزة، حيث يُعاد تأويل الماضي وفق اعتبارات إيديولوجية ضيقة.
وهنا تصبح الإشكالية أخلاقية بالدرجة الأولى: كيف يمكن بناء مصالحة حقيقية مع الذاكرة الإنسانية إذا ظلت محكومة بمنطق الإيديولوجيا والانتقاء بدل الانفتاح النقدي على الحقيقة التاريخية بوصفها مشتركًا إنسانيًا؟
وفي هذا المستوى، فإن مواجهة الكراهية والميز والإقصاء، سواء كان ذا طابع عنصري أو ديني أو إثني، تصبح شرطًا تأسيسيًا لأي مصالحة حقيقية مع الذاكرة، لأن الذاكرة حين تتحول إلى فضاء أخلاقي كوني، لا تعود مجرد سرد للماضي، بل تصبح أداة لتفكيك آليات العنف وإعادة بناء الوعي الإنساني على أسس الاعتراف والعدالة الرمزية.
