بين حرية التعبير ومسؤولية الخطاب: حماية الثقة في المؤسسات الأمنية
سياسي: رشيد لمسلم
يشهد الفضاء الرقمي في الآونة الأخيرة تنامي خطابات تتجاوز حدود النقد المشروع، لتصل أحيانا إلى مستوى التهويل وبث القلق في أوساط الرأي العام، من خلال تداول مزاعم تمس بمصداقية مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها المديرية العامة للأمن الوطني.
وإذا كانت حرية التعبير تشكل أحد المكتسبات الأساسية التي يكفلها الدستور، فإن ممارستها تظل مرتبطة بمسؤولية أخلاقية وقانونية، تقتضي تحري الدقة، والتمييز بين الرأي القائم على معطيات، وبين الادعاء غير المؤسس الذي من شأنه الإضرار بالإحساس العام بالأمن.
وفي هذا السياق، تؤكد معطيات رسمية أن “المصالح الأمنية تواصل عملها وفق مقاربة تقوم على الاستباق والنجاعة في التدخل، مع الحرص على احترام الضوابط القانونية المؤطرة لعملها”، وهو ما ينعكس في نسب معالجة مرتفعة للقضايا الجنائية، وتقديم أغلب الملفات المسجلة أمام العدالة.
كما جاء في خلاصات تقارير أمنية سنوية أن “مكافحة الجريمة بمختلف أشكالها، بما فيها الجريمة المنظمة والعابرة للحدود، تظل أولوية استراتيجية، يتم التعامل معها عبر تنسيق مؤسساتي واعتماد وسائل حديثة في البحث والتحري”.
وعلى صعيد مكافحة التهديدات الإرهابية، تبرز أدوار المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، حيث تشير معطيات متطابقة إلى أن “المقاربة الاستباقية مكنت من تفكيك عدد من الخلايا وإحباط مشاريع إجرامية، كانت تستهدف المساس بأمن المواطنين وسلامة التراب الوطني”.
وفي ما يتعلق بتحديث الإدارة الأمنية، تفيد معطيات رسمية بأن “رقمنة الخدمات وتبسيط المساطر الإدارية يأتيان في إطار تحسين جودة الخدمات وتقريبها من المواطن، وتعزيز مبادئ الشفافية والنجاعة في المرفق العمومي”.
ورغم هذه المؤشرات، فإن بعض المضامين المتداولة عبر المنصات الرقمية تميل إلى تقديم صورة مغايرة، تعتمد على الإثارة والتهويل، دون الاستناد إلى معطيات دقيقة أو مصادر موثوقة، وهو ما يطرح إشكالا حقيقيا يتعلق بأثر هذه الخطابات على ثقة المواطنين.
وفي هذا الإطار، يشدد فاعلون في المجال الإعلامي على أن “حرية التعبير لا يمكن أن تنفصل عن مسؤولية التحقق من المعلومات، خاصة حين يتعلق الأمر بقضايا تمس الإحساس الجماعي بالأمن والاستقرار”.
إن صيانة الثقة في المؤسسات لا تتعارض مع النقد، بل تتأسس عليه حين يكون مبنيا على معطيات دقيقة وتحليل موضوعي.
وبين حرية التعبير وواجب التحري، يبقى الرهان على إعلام مسؤول، وخطاب متزن، يسهم في تعزيز الاستقرار وترسيخ الثقة، بدل تغذية الشكوك أو نشر المخاوف.
