حينما تأكل الحكومة ” الأم” صغارها

فنجان بدون سكر:

حينما تأكل الحكومة ” الأم” صغارها

بقلم: عبد الهادي بريويك

في الأصل، خلقت الأم لتكون رمز الحنان، ومصدر الأمان، والملاذ الأخير لأبنائها حين تضيق بهم السبل.

هي التي تضحي، وتمنح دون مقابل، وتحتضن حتى في أشد اللحظات قسوة.

لكن، ماذا لو انقلبت الأدوار؟ ماذا لو تحولت الأم من راعية إلى مفترسة، ومن حامية إلى عبء يلتهم أحلام صغارها؟

هذا التشبيه القاسي، رغم مرارته، بات أقرب إلى واقع يعيشه كثير من الشباب اليوم.

فحين تضيق فرص الشغل، وتتسع دائرة البطالة، لا يعود الحديث عن المستقبل سوى ترف فكري لا يملكه الجميع. شهادات تعلق على الجدران، وأحلام تؤجل إلى أجل غير مسمى، وطموحات تتآكل تحت وطأة الانتظار.

إن انسداد الأفق ليس مجرد تعبير مجازي، بل هو إحساس يومي يتسلل إلى النفوس.

حين يشعر الشاب أن كل الأبواب موصدة، وأن جهده لا يقابله أفق واضح، يبدأ الإحباط في التغلغل، ويصبح الأمل ذاته عبئا ثقيلا.

ومع ارتفاع الأسعار وتآكل القدرة الشرائية، تتحول الحياة إلى معركة يومية من أجل البقاء، لا من أجل التقدم.

في مثل هذه الظروف، يصبح السؤال مؤلما، هل تقوم الجهات المسؤولة بدورها الحقيقي في الاحتضان والرعاية؟ أم أن السياسات المتبعة، عن قصد أو عن غير قصد، تساهم في تعميق الجراح بدل تضميدها؟

ليست المشكلة في قسوة الواقع وحدها، بل في الشعور بالعجز أمامه.

حين يغيب الإحساس بالعدالة في توزيع الفرص، وحين ينظر إلى التشغيل كامتياز لا كحق، يتولد شعور جماعي بالخذلان.

ومع مرور الوقت، قد يتحول هذا الشعور إلى فقدان الثقة، ليس فقط في المؤسسات، بل في فكرة المستقبل نفسها.

ومع ذلك، فإن الصورة ليست قدرا محتوما.

فكل أم، مهما اشتد بها الضيق، تظل قادرة على مراجعة ذاتها، واستعادة دورها الطبيعي في الرعاية والحماية. وكذلك الأوطان، يمكنها أن تعيد ترتيب أولوياتها، وأن تضع أبناءها في صلب اهتماماتها، لا في هامش سياساتها.

إن إنقاذ الحلم ليس مهمة مستحيلة، لكنه يحتاج إلى إرادة حقيقية، وإلى سياسات تفتح الأبواب بدل أن تغلقها، وتمنح الأمل بدل أن تصادره.

فالشباب ليسوا عبئا، بل هم الطاقة التي يمكن أن تبني المستقبل، إذا ما أتيحت لهم الفرصة.

حينها فقط، يمكن للأم أن تعود أما، وللوطن أن يستعيد أبناءه، لا أن يلتهمهم..

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*