فنجان بدون سكر:
معذرة يا إبني لن ألج المحاماة كما وعدتك ؟
بقلم عبد الهادي بريويك
ليس الحلم أن أكون محاميا هو ما يستدعي الكتابة، بل المفارقة التي تحيط به. فحين يصبح الطريق إلى الدفاع عن العدالة محروسا بشروط مادية، ينهض السؤال لا عن الأفراد، بل عن المنظومة: كيف يمكن لمهنة قوامها الإنصاف أن تختبر بغير ميزانه كخريجي كليات الحقوق ؟
لقد درست القانون، لا بوصفه سلما ًللترقي،بل باعتباره أفقا للفهم والمساءلة.
تعلمت أن النص لا يكتمل إلا بروحه، وأن العدالة لا تختزل في إجراءات، بل تقاس بقدرتها على الوصول إلى من لا يملكون وسيلة للوصول إليها.
غير أنني، عند عتبة الممارسة، وجدت معيارا آخر يتقدم في صمت: القدرة المادية، لا باعتبارها وسيلة، بل كشرط عبور.
هنا لا يعود الإشكال شخصيا، بل بنيويا.
لأن تحويل الولوج إلى المهنة إلى اختبار مالي، يفتح الباب لسؤال أكثر حدة: هل نحن بصدد انتقاء الكفاءات، أم إعادة إنتاج امتيازات؟ وهل يمكن لمنظومة قانونية أن تدعي الحياد، وهي تغض الطرف عن معايير تسبق الاستحقاق؟
إن الخلل لا يكمن في وجود شروط، بل في طبيعتها. فالشروط التي لا ترتبط بالكفاءة، بل بالإمكان، تفرغ التنافس من معناه، وتحول الاستحقاق إلى نتيجة ثانوية. وعندها، لا يصبح الإقصاء استثناء، بل نتيجة منطقية لمسار صمم سلفا ليقصي.
لا أكتب هذه الكلمات لأستعطف بابا مغلقا، بل لأشير إلى مفارقة مفتوحة:
أن العدالة، في لحظة تأسيسها، قد تتنازل عن أحد شروطها الأساسية.
إن إصلاح هذا الوضع لا يمر عبر حالات فردية، بل عبر إعادة مساءلة المعايير نفسها:
أيّ مهنة نريد؟ وأي عدالة نؤسس لها؟
عدالة تشترط لها القدرة قبل الكفاءة، أم عدالة تنبع من كفاءة تتاح لها الفرصة؟
قد أظل واقفا عند ما سمي بالضوء الأحمر،
لكن الإشارة الحقيقية ليست هنا، بل في الاتجاه الذي اختارته الطريق.
والسلام.
