الأحزاب والقبائل: مأزق الانتماء وصدمة الواقع.

الأحزاب والقبائل: مأزق الانتماء وصدمة الواقع.

بقلم الدكتور سدي علي ماءالعينين أكادير ابريل 2026.

ثمة حكاية رمزية عميقة استحضرتها الدراما المصرية حول شاب نشأ في صعيد مصر على ذكرى ابنة عمه التي غادرت إلى المدينة في طفولتها.

ظل هذا الشاب مخلصاً لتلك الصورة الذهنية حتى تجاوز الثلاثين، وحين عادت إليه شابة في غاية التمدن والجمال، لم يرى فيها طفلته التي عشقها، فنفر منها صارخاً:

 “ليست هذه هي!”. 

لقد كان يبحث عن “زمن” يستحيل استعادته، وهذا هو حالنا اليوم مع كياناتنا السياسية والاجتماعية؛ نحن الذين نقتات على أمجاد الماضي أحزاباً وقبائل.

إننا نعيش حالة من النستالجيا الجارفة لزمن البطولات والإنجازات، وننظر إلى واقعنا اليوم بعين الرفض والقطيعة.

فالحقيقة التي يواجهها الجميع هي أن الأحزاب لم تعد هي تلك التنظيمات التي شكلت الوجدان، ولا رجالاتها هم أنفسهم، ولا السياقات هي ذاتها.

وكذلك القبائل؛ فقد تغيرت أدوار المشايخ، وتبدلت موازين الحظوة، وانحسر التأثير التقليدي.

بين التعلق بالماضي والقدرة على الفعل في الحاضر، نعيش حالة انفصال مزمنة تشبه حالة ذلك “العاشق الصعيدي”.

 نردد دوماً “كنا وكنا”، ونصرّ على أن نكون اليوم مجرد استمرار لما مضى، متجاهلين أن “الحال ليس هو الحال”. 

إننا نكابر بتاريخ لم نعد ننتسب إليه إلا في بطون الكتب ومقررات المؤتمرات، ونبحث عن هويتنا في صور الشهداء وأضرحة المقاومين، بينما الواقع لا يشفي غليل الشخصية المركبة التي تحاول الجمع بين قيم الماضي وتطلعات المستقبل.

إن الانتماء لهذه الكيانات اليوم يضع الجيل الجديد في مأزق؛ فهو انتماء لواقع لا يقنع، لكنه ينطلق من قاعدة الوفاء للماضي.

ولا يتصل الأمر هنا بدعوات لـ “حركات تصحيحية” أو تنصيب الذات حارساً للهوية، فالتصحيح يقتضي وجود خطأ طارئ، بينما المواجهة هنا هي مع تاريخ وممارسة متجذرة لمن يكبروننا تجربة في الأحزاب والقبائل.

لا يمكن لوم هؤلاء الممارسين اليوم أو اتهامهم بسبق الإصرار، لأن في ذلك تجنياً على تاريخهم، لكن الاستفسار يبقى مشروعاً:

أليس من الممكن إرساء ممارسة تستحضر قيم التاريخ وتصون الهوية من التشويه؟

 أليس بالإمكان خلق وصال بين الحاضر وأمجاد الماضي بدلا من القطيعة الباترة؟

ما الذي نربحه إذا خسرنا الهوية واغتلنا التاريخ وجلسنا على أطلال بيوتنا نردد أن “دوام الحال من المحال”؟

 لا جدوى من إفراغ الانتماء من محتواه لتتحول الزعامات والمشيخات إلى مجرد مسميات لهياكل ميتة بلا روح.

 إن الانتصارات الوهمية والمكاسب الفردية لا تصنع أمجادا، بل التاريخ المشترك الذي يصنعه الأفراد لصالح الجماعة هو ما يبقى.

  لا مستقبل لحزب أو زعيم لا يسترشد بالهوية التنظيمية وبتضحيات الرعيل الأول فكراً وممارسة.

 لا مستقبل لقبيلة أو شيخ يتجاهل وصية الأجداد ومكانة القبيلة التاريخية في الذاكرة والروح.

إن الانتماء للواقع الحالي المأزوم يورث التعب؛ فالكثيرون لا يزالون مسكونين بصور الماضي كدليل للمستقبل، بينما لا يجدون في الحاضر إلا مساحة للتعايش “على مضض”.

إنها صرخة رفض وصوت احتجاج يحاول الحفاظ على الأمل في المستقبل.

ولأن تغيير الانتماء ليس خيارا، ولأن تغيير الواقع يبدو مستعصيا، يجد “المنتمون” أنفسهم مضطرين لتغيير “مفهومهم للانتماء”؛ ليكون جسرا بين ذكريات الماضي وتطلعات المستقبل، أما الحاضر، فيتم التعامل معه بمنطق “من رأى منكرا ولا يملك تغييره إلا بقلبه”، وذلك أضعف الإيمان.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*