بين الانفعال والحقيقة: دفاعا عن منطق المؤسسات واحترام أخلاقيات العمل السياسي

*بين الانفعال والحقيقة: دفاعا عن منطق المؤسسات واحترام أخلاقيات العمل السياسي* 

 **بقلم أب هبة الله* 

في خضم النقاش العمومي الذي أثاره المقال المعنون بـ”استهتار الرفيق نبيل بن عبد الله بالمكتسبات النضالية لحزب PPS بسوس ماسة”، يبرز مجددا سؤال جوهري: هل نحن أمام نقد سياسي مسؤول، أم أمام خطاب متسرع تغلب عليه نبرة الاتهام والانفعال أكثر مما تسنده الوقائع الدقيقة؟

لا أحد يجادل في أن الساحة السياسية تحتاج إلى النقد، بل إن النقد البناء هو أحد أعمدة الممارسة الديموقراطية. غير أن هذا النقد يفقد قيمته حين يتحول إلى أحكام جاهزة، أو حين يبنى على قراءة انتقائية للأحداث دون استحضار السياق الكامل وتعقيداته.

إن الحديث عن محمد نبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، لا يمكن اختزاله في موقف معزول أو تأويل أحادي لواقعة بعينها. فالرجل، بمساره السياسي المعروف، ظل دائما حريصا على احترام المؤسسات، سواء داخل الحزب أو في علاقاته مع الهيئات النقابية والشركاء الاجتماعيين والسياسيين .

ومن هذا المنطلق، فإن أي قرار أو موقف يصدر عنه أو عن هيئات الحزب، لا يمكن فصله عن الآليات التنظيمية والقانونية التي تؤطر عمل حزب عريق كحزب التقدم والاشتراكية الذي فاقت تجربته السياسية الوطنية الثمانون سنة.

لقد حاول صاحب المقال موضوع الرد أن يضع تعارضا حادا بين قرار الاتحاد المغربي للشغل وموقف الحزب، وكأن الأمر يتعلق بصراع أو تناقض مطلق. والحال أن العلاقات بين التنظيمات السياسية والنقابية بطبيعتها علاقات مستقلة، لكل منها منطقها وأجهزتها وقراراتها السيادية. فقرار نقابي، كيفما كان تقديرنا له، يظل قرارا داخليا لهيئة نقابية، في حين أن الحزب بدوره يحتكم إلى قوانينه ومؤسساته في تقييم الأوضاع واتخاذ المواقف المناسبة.

إن احتضان أي مناضل أو فتح باب النقاش معه داخل مؤسسة حزبية، لا يعني بالضرورة الطعن في قرارات هيئات أخرى، بل قد يعكس توجها سياسيا قائما على الحوار، والاستماع، وتغليب منطق الإدماج بدل الإقصاء. وهي قيم لطالما شكلت جزء من الهوية السياسية لحزب التقدم والاشتراكية.

أما لغة المقال، التي انزلقت أحيانا إلى توصيفات قاسية وتلميحات شخصية، فإنها لا تخدم النقاش العمومي، بل تسيء إليه.

فالخلاف السياسي، مهما اشتد، ينبغي أن يظل محكوما بأخلاقيات الاحترام المتبادل، والابتعاد عن الشخصنة أو التشكيك في النوايا.

لأن المصداقية، كما أشار كاتب المقال نفسه، ليست شعارا يرفع، بل ممارسة تتجلى أولًا في أسلوب الخطاب قبل مضمونه.

إن الدفاع عن المكتسبات النضالية، التي راكمها الحزب عبر عقود، لا يكون بإطلاق الأحكام أو توزيع الاتهامات، بل بالاحتكام إلى العقل، واحترام المؤسسات، والإيمان بأن الاختلاف داخل الفضاء التقدمي لا ينبغي أن يتحول إلى صراع يضعف الجميع.

في النهاية، يبقى الأجدر بنا جميعا، فاعلين سياسيين ونقابيين وإعلاميين، أن نرتقي بالنقاش إلى مستوى المسؤولية التي تفرضها المرحلة، وأن نخضع مواقفنا لمنطق التحليل الرصين، لا لاندفاع اللحظة. فالأوطان لا تبنى بالانفعال، بل بالحكمة، ولا تصان مكتسباتها بالصوت المرتفع، بل بعمق الفكرة ونبل المقصد.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*