سعيد الكحل: حين تخسر الأحزاب رِهان المبادَرة والمصداقية

حين تخسر الأحزاب رِهان المبادَرة والمصداقية.

كتبها: سعيد الكحل.

لا جدال في أن عرض السيد وزير الداخلية أمام جلالة الملك، يوم 9 أبريل 2026، لم يكن روتينيا ولا حدثا عابرا؛ بل إيذانا بدخول المغرب عهدا سياسيا جديدا عنوانه الرئيسي: القطع مع مغرب يسير بسرعتين.

لطالما نبّه جلالته إلى “ضعف الإدارة العمومية” وغياب الحكامة وجودة الخدمات الاجتماعية؛ مما انعكس سلبا على ظروف العيش وثقة المواطنين في الحكومة والأحزاب. فبحسب التقرير الذي أصدره المركز المغربي للمواطنة بعنوان “الأحزاب السياسية المغربية وأزمة المصداقية” سنة 2025، فإن 91,5 % من المستجوبين يعتبرون أن أداء الأحزاب ضعيفا، وكذلك البرلمان بنسبة 89.5 % والحكومة بـ 87,3 %، والمعارضة السياسية بـ 80,6 %. وهذا الذي جعل ملك البلاد غير راض عن أداء الأحزاب والمنتخَبين: “إذا أصبح ملك المغرب، غير مقتنع بالطريقة التي تمارس بها السياسة، ولا يثق في عدد من السياسيين، فماذا بقي للشعب؟ (خطاب العرش 2017).

“إما أن تقوموا بمهامكم كاملة، وإما أن تنسحبوا”.

لم تستوعب الأحزاب السياسية، سواء في الأغلبية أو المعارضة، الرسائل الملكية بضرورة تغيير أسلوب عملها وتأهيل ذاتها بما يسمح لها بالانخراط الفعال في المشاريع التنموية، محليا ووطنيا.

بل عوض أخذ المبادرة عبر اقتراح برامج تنموية تهم الساكنة المحلية، أو فتح استشارات موسعة مع المواطنين لمعرفة حاجياتهم تطبيقا للديمقراطية التشاركية التي ينص عليها الدستور، انشغلت بمعارك التزكيات والصراع حول المواقع الانتخابية في تجاهل تام للتنبيه الملكي ” “كفى… إما أن تقوموا بمهامكم كاملة، وإما أن تنسحبوا. فالمغرب له نساؤه ورجاله الصادقون”.

طبعا ظل هدف الأحزاب وهاجسها هو الظفر بالمغانم السياسية من مكاسب ومناصب ومواقع على حساب مصداقيتها وانتظارات المواطنين منها.

وضع سياسي وحزبي بات مرفوضا من عاهل البلاد ومن عموم المواطنين، خصوصا وأن تشريح الخطب الملكية للأوضاع السياسية والاجتماعية بقدر ما يفي ويغني عن أي استغلال سياسوي أو انتخابوي لها، فهو يحدد عناصر الخلل في “ضعف العمل المشترك، وغياب البعد الوطني والإستراتيجي، والتنافر بدل التناسق والالتقائية، والتبخيس والتماطل، بدل المبادرة والعمل الملموس” (خطاب العرش 2017). إنها الأعطاب الرئيسية التي جعلت المغرب يسير بسرعتين، وأخرت ترتيبه في مؤشر التنمية.

كُلفة الأحزاب وكُلفة الفساد.

من المفروض أن تضطلع الأحزاب بمسؤولياتها التأطيرية للمواطنات والمواطنين وبأدوارها التنموية والإدارية بما يحفظ كرامتهم لقاء الدعم والتعويضات اللذين تتلقاهما من الدولة (1 مليار درهم للبرلمانيين سنويا) (1.3 مليار لأعضاء الحكومة في السنة) (600 مليون درهم لأعضاء مكاتب التسيير في المجالس الترابية سنويا).

لكن الواقع يثبت خلاف ذلك، إذ فضلا عن الغيابات الكثيرة عن حضور جلسات البرلمان (سجلت جلسة التصويت على قانون المالية 2026 غياب 290 نائباً (أكثر من 73%)، تورط أعداد مهمة من المنتخبين في الفساد ونهب المال العام (20 % من المنتخبين المسؤولين بالجماعات الترابية فاسدون حسب وزير الداخلية، و12% من البرلمانيين إما في السجن أو متابعين في حالة سراح في قضايا فساد أو مخدرات أو تزوير في وثائق رسمية أو خروقات في التعمير).

معلوم أن الكلفة الحقيقية لا تنتهي عند المبالغ المالية التي يتلقاها المنتخبُون من خزينة الدولة، بل تشمل كذلك تكلفة الفساد التي يتحملون مسؤوليتها بسبب الرشوة وعرقلة الاستثمارات وتأخير المشاريع التنموية أو تعطيلها والتي قدرتها الهيئة الوطنية للنزاهة ومحاربة الرشوة ب 50 مليار درهم سنويا، أي ما يعادل 5% من الناتج الداخلي الخام. الأمر الذي يتسبب في اتساع الفوارق الاجتماعية والمجالية، إضعاف جاذبية الاستثمارات، وإهدار فرص التنمية.

وضعية انعكست على ترتيب المغرب في مؤشر إدراك الفساد حيث احتل المرتبة 91 عالميا.

استرجاع المبادرة.

بعد أن تخلت الأحزاب عن الأدوار المبادِرة والمبتكِرة وركنت إلى الاقتيات على المشاريع والبرامج الملكية حتى إن جلالته انتقدها بشدة “فعندما تكون النتائج إيجابية، تتسابق الأحزاب والطبقة السياسية والمسؤولون، إلى الواجهة، للاستفادة سياسيا وإعلاميا، من المكاسب المحققة. أما عندما لا تسير الأمور كما ينبغي، يتم الاختباء وراء القصر الملكي”؛ صار مطلوبا أن يقود القصر قطار التنمية بإزالة العوائق الإدارية والعراقيل الحزبية التي حددها جلالته في خطاب العرش 2017 كالتالي: “إن برامج التنمية البشرية والترابية، التي لها تأثير مباشر على تحسين ظروف عيش المواطنين، لا تشرفنا، وتبقى دون طموحنا.

وذلك راجع بالأساس، في الكثير من الميادين، إلى ضعف العمل المشترك، وغياب البعد الوطني والإستراتيجي، والتنافر بدل التناسق والالتقائية، والتبخيس والتماطل، بدل المبادرة والعمل الملموس”.

أمام تخلي الأحزاب عن مسؤولياتها الوطنية والدستورية وانشغالها بتحصيل المكاسب والمناصب ولو بترشيح الفاسدين وتجار المخدرات والمتابعين أو المحكومين قضائيا بتهم التزوير ونهب المال العام، جاء قرار جلالة الملك بأخذ المبادرة لإطلاق دينامية التنمية تكون فيها وزارة الداخلية هي المشرف المباشر على هندستها وتنفيذها. لأن ما ينقص المغرب ليس الأموال وإنما المراقبة عبر تفعيل الدستور بربط المسؤولية بالمحاسبة. لأجل هذا أعطى ملك البلاد، في نونبر 2025، توجيهاته إلى العمال والولاة لعقد لقاءات تشاورية موسعة مع سكان مناطقهم وممثلي المجتمع المدني والجمعيات المحلية “بهدف الوقوف الميداني على الاحتياجات الحقيقية للسكان، وتحديد الأولويات التنموية لكل منطقة بما يتلاءم مع خصوصياتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية”. وبالفعل، قدم السيد وزير الداخلية حصيلة تلك المشاورات متمثلة في الخطوط العريضة لحكامة الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة بغلاف مالي (210 مليار درهم) وزمني (8 سنوات)، محددا آليات الحكامة والتنفيذ وتقييم البرامج بعيدا عن تدخل الأحزاب أو مشاركتها وهي التي أثبتت فشلها في التدبير وعقمها في ابتكار الحلول، بل تواطأت مع الفاسدين والفراقشية والشناقة بأن تركت لهم الحبل على الغارب لنهب جيوب المواطنين إلى جانب الدعم المالي لهم ( 13 مليار درهم لدعم استيراد الأغنام والأبقار دون أن ينخفض ثمن اللحوم). وضعٌ كما قال جلالته “لا يمكن أن يستمر لأن الأمر يتعلق بمصالح الوطن والمواطنين”. من هنا جاء قرار إشراف وزارة الداخلية على المشاريع التنموية تنفيذا للالتزام الملكي: “إذا تخلف المسؤولون عن القيام بواجبهم، وتركوا قضايا الوطن والمواطنين عرضة للضياع، فإن مهامي الدستورية تلزمني بضمان أمن البلاد واستقرارها، وصيانة مصالح الناس وحقوقهم وحرياتهم”. وطالما الإشكال في الأحزاب والإدارة وتعطيل ربط المسؤولية بالمحاسبة، فسيتم إحداث شركات مساهمة تتولى التنفيذ والمراقبة والتدبير الفعال بمنهجية القطاع الخاص؛ الأمر الذي يغلق المنافذ أمام الأحزاب والعناصر الانتهازية، بينما يمكّن المواطنين والفاعلين المؤسساتيين من تتبع مراحل تنفيذ المشاريع عبر منصة رقمية مخصصة لهذا الغرض ضمانا للشفافية. أما المراقبة والمحاسبة فستتولاهما المفتشية العامة للمالية والمفتشية العامة للإدارة الترابية.

لا جدوى، إذن، من أن تنشغل الأحزاب بصياغة برامجها الانتخابية وتقديم وعودها العرقوبية بعد أن عجزت عن بلورة جيل جديد من البرامج التنموية “يرتكز على تثمين الخصوصيات المحلية، وتكريس الجهوية المتقدمة، ومبدأ التكامل والتضامن بين المجالات الترابية” تنفيذا للتوجيه الملكي في خطاب العرش 2017.

فالبرنامج موجود والتمويل متوفر وأدوات التنفيذ والمراقبة معلومة.

 

 

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*