بهاء العيد خرج من بهائه
عبد السلام المساوي
1- قبح الله من اغتال الفرح الجماعي النبيل
الدورات السنوية للأعياد أخلفت عندنا الكثير من مواعيدها الطبيعية مع الأفراح .
لم يحافظ عرف اللقاءات الطيبة على طيبوبة اللحظة و غادرت الكثير من المراسيم عنفوانها الجميل .
أثبت الواقع أن هروب الناس نحو الاستعراض الجاف وحده يحافظ على الأجندة التي أنزلت رحمة و رأفة و غدت قسوة و استياء .
الذين يسابقون مجهود تنفيذ عيد الأضحى بما يقتضيه من شراء الخروف ، في الأغلبية يعصرون المجهود عصرا .
الأمر لا يتطلب استقراء آراء .
المعاني معروضة على الطريق و مفادها أن الشقاء يمشي مختالا في الأرجاء .
الجموع لم تعد تستطيع المعاملة مع المعادلة الإبراهيمية العادلة .
بهاء العيد خرج من بهائه .
سياق الشقاء العنيد هذا تطاول على كبرياء الوجوه . هُزمت القدرات أمام اجتياح الضغوط .
الشعوب التي لا تستطيع توفير لحظة فرحة ، لا تساق قسرا إلى ادعاء الارتياح .
في الأحوال الأخرى للناس الأخرى، ستكون هناك الملايين من غُضون الشقاء المشمول بالعجز عن التوافق مع اللحظات الجميلة ، ستتعدد الأعياد و المناسبات في تضاريس الحياة الصعبة ، ستتحدث هذه التضاريس عن بؤس سرمدي عابر للأيام و الأسر و الجموع .
العيد الذي فهمناه من أجدادنا و آبائنا هو عيد الرحمة و المحبة المغذى من تربية إيمانية تضامنية مع الجميع .
العيد فرح جماعي وليس مناسبة لعرض طبقي خادش بالذوق الإنساني العام .
العرض الطبقي البئيس الذي يريده المهيمنون على غذاء الناس هو هكذا يزمجر فينا جميعا .
يريد المهيمنون الطبقيون احتكار العيد و ترك الجموع قرابين لمداورة البؤس و الشقاء، و فوق هذا وذاك تنويع الحكايات الحزينة لنعيد سردها للأشقياء مثلنا .
الأجواء غير المسبوقة المخيمة على عيدنا المنزل جماعيا ، أضحى فاقدا للكثير من مخزونه الروحاني السعيد ، تعرضت المناسبة من جهة لتبويبها برجوازيا عبر تحويلها لخوصصة مقيتة تفرض علينا إرباح كارتيلاتها وفق سوق قاتلة للحظة ” مغافرة إيمانية ” ، و هي سوق مسيجة بتحصين فقهي يبقي الحوار في الموضوع متهما و مبعدا عن الحوار الاجتماعي العقلاني المنتج .
ومن جهة أخرى أصبح عيدنا ( الذي كان عيدنا الجماعي ) محض مخالب استنزاف بلطجية من وسطاء معاملات .
الأمر ومافيه ، صار المناسبة فرصة للفتك مما تبقى من حياتنا التي أردناها متوازنة فقط لاغير ، و افتراسا لإيماننا الصافي من آراء الفقه الريعي المتزوج مع البلطجة الطبقية اللعينة .
قبح الله من اغتال الفرح الجماعي النبيل .
2- عيد الأضحى ليس موسما للاغتناء غير المشروع
مع اقتراب عيد الأضحى من كل سنة ، تعود إلى الواجهة معاناة المواطنين مع الارتفاع الصاروخي في أسعار الأضاحي ، وسط شكايات متزايدة من المضاربات وفوضى الأسواق واستغلال الظرفية لتحقيق أرباح خيالية على حساب القدرة الشرائية للأسر التي تعيش الفقر والهشاشة ، إذ رغم التساقطات المطرية المهمة التي شهدتها مختلف مناطق المملكة ، والتي أعلنت نهاية سنوات الجفاف وتداعياته القاسية على القطيع الوطني ، فضلا عن القرار الملكي الحكيم بعدم القيام بشعيرة الذبح خلال الموسم الماضي بما يضمن إعادة التوازن للثروة الحيوانية الوطنية ، فإن الأسعار ما زالت تعرف ارتفاعا غير مبرر ، خاصة في ظل تزامن ذلك مع الغلاء الذي يطال المواد الغذائية الأساسية ، وتداعيات الأزمات والحروب الدولية على الاقتصاد .
إن الإجراءات الحكومية المتخذة لضمان وفرة الأضاحي وتحقيق التوازن بين العرض والطلب ، تبقى غير كافية ما لم تواكبها مراقبة صارمة للأسواق ، ومحاربة حقيقية لشبكات ” الشناقة ” والمضاربين ، الذين يحولون كل مناسبة دينية إلى موسم للاغتناء غير المشروع .
فهؤلاء المضاربون يعتمدون على التلاعب بالمعلومات وتخويف المواطنين بوجود ندرة وهمية ، مع تنسيق محكم بين الأسواق على المستوى الوطني والجهوي ، للتحكم نسبيا في التموين ورفع الأسعار بطرق احتيالية ، في وقت يبقى فيه ربح الفلاح البسيط عاديا ، ولا يبرر الأثمان الملتهبة التي تصل حرارتها إلى جيب المستهلك .
إن وفرة العرض بأسواق المواشي تستوجب التفعيل الأمثل لقرار وزارة الداخلية القاضي بمنع بيع الأضاحي داخل المحلات بالأحياء السكنية ، لما يرافق ذلك من فوضى واستغلال للمواطنين خارج المراقبة والتنظيم ، كما يتعين أيضا تفكيك شبكات السماسرة التي تستفيد من غياب الصرامة في التتبع والزجر ، مع تفعيل لجان المراقبة بشكل يومي لحماية المستهلك ، وضمان شفافية المعاملات التجارية .
وفي السياق ذاته ، تبرز ضرورة التصدي لظاهرة الغش في تسمين الأضاحي ، حيث يلجأ بعض المتلاعبين إلى استعمال أعلاف فاسدة ومواد مضرة بالصحة ، من أجل التسمين السريع وتحقيق أرباح إضافية ، وهو ما يهدد سلامة المواطنين ويتسبب أحيانا في فساد اللحوم مباشرة بعد الذبح ، أو تعفنها في ظرف وجيز .
إن حماية المستهلك لا تقل أهمية عن حماية قدرته الشرائية ، ما يفرض تشديد المراقبة البيطرية ومعاقبة كل من يستهين بشروط السلامة والجودة ، كما أن استقرار الأسعار وجعل الأضاحي في متناول الأسر المغربية يبقى مسؤولية حكومية بالدرجة الأولى ، من خلال فرض الصرامة في مواجهة المضاربين ، وردع كل أشكال الاحتكار والغش والاستغلال .
لهذا وجب على كافة الجهات المتدخلة استحضار البعد الديني والأخلاقي لهذه المناسبة المباركة ، وعدم تحويلها إلى فرصة لإثقال كاهل المواطنين بمزيد من الأعباء المالية ، حتى يمر عيد الأضحى في أجواء يسودها التضامن والرحمة والتكافل الاجتماعي ، وهي القيم التي تميز الشعب المغربي عن غيره من الشعوب ، ويتم توارثها من جيل لآخر .
