إسمنت مغشوش وجشع بشر: تجارة الموت في سوق العقارات.

إسمنت مغشوش وجشع بشر: تجارة الموت في سوق العقارات.

كتبها: جمال الدين ريان 

من رخص لبناء مثل هذه القبور المرتفعة؟ من سمح برفع هذه النعوش الخرسانية الشاهقة في شوارعنا وأحيائنا، وتركها قنابل موقوتة تنتظر اللحظة لكي تطبق على رؤوس ساكنيها؟

لم تعد البيوت ملاذاً للأمن؛ بل تحولت، بفعل الجشع والفساد، إلى مقابر عمودية يدفع فيها المواطن شقاء عمره ليشتري حتفه بيده، وسط صمت مريب من جهات كان يُفترض بها أن تحمي الأرواح لا أن تشرعن قتلها.

​الجهة التي رخّصت لهذه الكوارث القائمة —أو بالأحرى، قبضت وثمّنت وغضّت الطرف— هي تحالف غير مقدس بين فساد الجماعات والبلديات والسلطات العمومية، وتوغل “مافيا المقاولات والملفات المزورة” الذين استغلوا أزمة السكن وحاجة الناس، فباعوا لهم الوهم مغلفاً بطلاء خارجي رخيص، يخفي وراءه أساسات مهترئة، وحديد تسليح مغشوش، وخرسانة لا تصمد أمام هبة ريح.

أين كانت لجان التفتيش؟ وأين هي تراخيص البناء، واشتراطات السلامة، وتقارير التربة؟ ترك الحبل على الغارب جعل من أرواح البشر سلعة رخيصة في سوق المقاولات العشوائية.

​إن ما نراه اليوم من عمارات شاهقة مائلة، وتصدعات مرعبة تظهر بعد أشهر قليلة من البناء، ليس مجرد خلل هندسي؛ إنه جريمة قتل عمد مع سبق الإصرار والترصد.

في كل الأعراف والقوانين والإنسانية، السكن هو الحق الأول في الحياة، وتحويله إلى فخ للموت هو قمة الانحطاط الأخلاقي.

الغني والمسؤول الذي يوقع على هذه التراخيص المشبوهة، والمقاول الذي يقلص من كفاءة البناء ليزيد من أرباحه، يتشاركون معاً في حفر هذه القبور الجماعية للأبرياء الكادحين الذين لا يملكون ترف الاختيار.

​إن استمرار الصمت والتعامل بنظام “تأجيل الكارثة” أو إصدار قرارات إخلاء حبر على ورق دون محاسبة المتسببين هو مشاركة فعلية في الجريمة.

نحن بحاجة إلى انتفاضة رقابية حاسمة، ومحاكمات علنية لكل فاسد وقع على ترخيص عمارة هشة، وهدم فوري ومصادرة لأملاك مقاولي الموت.

هؤلاء الأحياء الذين يسكنون تلك الأبراج يعيشون في رعب دائم، ينتظرون انهيار السقف في أي لحظة، وكأنهم في مقابر معجّلة صُنعت من الإسمنت المغشوش وجشع البشر!

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*