د. كمال الهشومي يكتب: الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية وقانون الإضراب بالمغرب

الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية وقانون الإضراب بالمغرب:

انتصار المرجعية الحقوقية الدولية أم إعادة تصحيح للعقل التشريعي الوطني؟

كتبها: د. كمال الهشومي ( أستاذ جامعي)

أعاد الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية الصادر يوم الخميس 21 ماي 2026 بشأن حماية الحق في الإضراب بموجب الاتفاقية رقم 87 لمنظمة العمل الدولية فتح واحد من أكثر النقاشات حساسية داخل الدولة الدستورية المعاصرة: حدود سلطة المشرع في تنظيم الحقوق والحريات الأساسية، والفارق الدقيق بين « تنظيم » الحق و »تفريغه » من مضمونه الوظيفي والدستوري.

ولا يتعلق الأمر هنا بمجرد رأي قانوني تقني صادر عن هيئة قضائية دولية، بل بلحظة معيارية كبرى أعادت الاعتبار لفلسفة الحريات الجماعية داخل الدولة الحديثة، ووضعت من جديد سؤال الشرعية الحقوقية فوق منطق التدبير التشريعي الضيق. فحين تقر أعلى هيئة قضائية دولية بأن الحق في الإضراب يشكل امتدادا عضويا للحرية النقابية المحمية بموجب الاتفاقية رقم 87، فإنها لا تدافع فقط عن آلية احتجاجية مهنية، ولكن فهي تؤسس لفهم دستوري عميق يعتبر أن الحقوق الاجتماعية ليست مجرد امتيازات تنظيمية تمنحها الدولة، وإنما مكونات بنيوية في التوازن الديمقراطي ذاته. 

لقد جاء هذا الرأي في سياق دولي اتسم بتصاعد التوتر بين منطق الدولة الضابطة للمجال الاجتماعي ومنطق الدولة الحامية للتوازنات الحقوقية. وهو توتر لا ينفصل عن التحولات الكبرى التي عرفتها الدولة المعاصرة تحت ضغط العولمة الاقتصادية، وصعود هاجس النجاعة الاقتصادية، وتراجع مركزية الوسائط الاجتماعية التقليدية، وفي مقدمتها التنظيمات النقابية.

وفي هذا السياق تحديدا، يكتسي النقاش المغربي حول القانون التنظيمي للإضراب أهمية استثنائية، لأنه لم يكن مجرد نقاش حول تفاصيل تقنية أو مسطرية، بل كان في العمق نقاشا حول طبيعة النموذج الدستوري والاجتماعي الذي تتجه نحوه الدولة المغربية بعد دستور 2011.

ذلك أن جزءا مهما من الحركة النقابية والحقوقية والسياسية اعتبر أن بعض المقتضيات الواردة في القانون التنظيمي لممارسة الحق في الإضراب تجاوزت حدود التأطير المشروع نحو بناء منظومة قانونية تجعل ممارسة الحق محاطة بشروط وإجراءات معقدة قد تؤدي عمليا إلى الحد من فعاليته التفاوضية والاجتماعية.

ومن هنا، فإن الإشكال الحقيقي لم يكن متعلقا بمبدأ التنظيم في حد ذاته، لأن أي حق دستوري داخل الدولة الحديثة يظل قابلا للتنظيم القانوني وفق مقتضيات النظام العام واستمرارية المرافق العمومية. غير أن السؤال المركزي كان دائما:

إلى أي حد يمكن للتنظيم أن يظل منسجما مع جوهر الحق دون أن يتحول إلى آلية لإضعافه؟

إن الفقه الدستوري الحديث يميز بوضوح بين « التنظيم » باعتباره تدبيرا يروم ضمان ممارسة متوازنة للحق، وبين « التحكم التشريعي » الذي يؤدي إلى تقليص المجال العملي لممارسته.

ولذلك فإن معيار المشروعية الدستورية لا يقاس فقط بوجود نص قانوني منظم، بل بمدى احترام هذا النص لمبدأ التناسب، ولمقتضيات الضرورة، وللجوهر غير القابل للمصادرة للحق أو الحرية.

وفي هذا المستوى تحديدا، يبدو أن الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية قد أعاد الاعتبار لمنطق دستوري بالغ الأهمية، مفاده أن الحقوق والحريات لا تقرأ بمنطق الحرفية الضيقة للنصوص، وإنما بمنطق الغاية الدستورية التي وجدت من أجلها.

فالمحكمة لم تتوقف عند غياب التنصيص الصريح على « الحق في الإضراب » داخل الاتفاقية رقم 87، بل انتقلت إلى تأويل غائي ووظيفي للحرية النقابية باعتبارها لا يمكن أن تكون حرية حقيقية دون وسائل عملية للدفاع الجماعي عن المصالح المهنية والاجتماعية. 

وهذا التوجه يعكس تطورا عميقا في الفكر الحقوقي المعاصر، الذي لم يعد يتعامل مع الحقوق باعتبارها مجرد إعلانات رمزية، بل باعتبارها قدرات فعلية على التأثير داخل المجال العمومي.

فالحق الذي لا يمكن ممارسته عمليا يتحول إلى مجرد اعتراف شكلي فاقد للفعالية الدستورية.

ومن هنا تبرز إحدى المفارقات الكبرى داخل عدد من التجارب المعاصرة: إذ قد تبدو الحقوق قائمة من الناحية الشكلية، بينما تؤدي الشروط الإجرائية والتنظيمية المحيطة بها إلى الحد من أثرها الواقعي.

وهو ما يجعل الخطر الحقيقي على الحقوق والحريات لا يكمن دائما في الإلغاء الصريح، بل أحيانا في « الإبقاء الشكلي مع التعطيل العملي ».

وفي الحالة المغربية، تزداد حساسية هذا النقاش بالنظر إلى الخصوصية التاريخية والسياسية للحركة النقابية الوطنية. فالنقابات المغربية لم تكن مجرد فضاءات مطلبية مرتبطة بتحسين شروط العمل، بل شكلت جزءا من البنية التاريخية للحركة الوطنية، وأسهمت في مقاومة الاستعمار، وفي معارك الديمقراطية، وفي بناء جزء من التوازنات السياسية والاجتماعية للدولة الوطنية.

ولذلك فإن اختزال النقاش حول الإضراب في بعده الاقتصادي أو الأمني فقط يمثل قراءة ناقصة لطبيعة الوظيفة السياسية والاجتماعية التي لعبتها الحركة النقابية داخل التجربة المغربية.

فالحق في الإضراب داخل الديمقراطيات الحديثة لا يمثل فقط وسيلة ضغط مهني، بل يعكس وجود فضاء عمومي يسمح بإدارة التوترات الاجتماعية داخل المؤسسات، بدل انفجارها خارجها.

ومن هذه الزاوية، فإن النقابات القوية لا تشكل تهديدا للدولة، بل غالبا ما تشكل أحد شروط استقرارها، لأنها تؤطر الاحتجاج داخل قنوات تفاوضية ومؤسساتية.

إن الدولة التي تضعف الوسائط الاجتماعية المنظمة تجد نفسها غالبا أمام احتجاجات أكثر هشاشة وعفوية وتوترا، وهو ما أثبتته تجارب دولية عديدة حيث أدى تراجع الوسائط النقابية إلى صعود أنماط احتجاجية غير مؤطرة وأكثر راديكالية.

ولهذا فإن الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية لا يجب أن يقرأ بمنطق المواجهة بين الدولة والحركة النقابية، بل باعتباره فرصة لإعادة بناء التوازن داخل المجال الاجتماعي المغربي.

كما أن هذا الرأي ينسجم مع التحولات الدستورية التي عرفها المغرب بعد دستور 2011، والذي لم يكتف فقط بالتنصيص على الحق في الإضراب ضمن الفصل 29، بل كرس أيضا انفتاح المنظومة القانونية الوطنية على المرجعية الدولية لحقوق الإنسان.

فالدستور المغربي، في تصديره، أكد التزام المملكة بحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا، وهو ما يجعل المشرع الوطني مطالبا باستحضار التراكم الدولي في مجال حماية الحقوق والحريات عند صياغة النصوص التنظيمية.

ومن ثم، فإن إعادة فتح النقاش حول بعض مقتضيات القانون التنظيمي للإضراب لا ينبغي أن تفهم باعتبارها تراجعا سياسيا للحكومة، بل قد تقرأ كدليل على نضجها المؤسساتي وقدرتها على التفاعل الإيجابي مع التطور الدولي للمعايير الحقوقية.

بل إن قوة الدولة الدستورية لا تتجلى في صلابة النصوص فقط، وإنما في قدرتها على مراجعتها حين يظهر أن هناك حاجة إلى تحقيق توازن أكبر بين مقتضيات النظام العام وضمانات الحقوق الأساسية.

وفي هذا الإطار، قد يكون من الحكمة الدستورية والسياسية أن تبادر الحكومة المغربية إلى فتح ورش مراجعة هادئة ومتوافق بشأنها لبعض المقتضيات المثيرة للنقاش داخل القانون التنظيمي للإضراب، بما يسمح بإعادة بناء الثقة مع الفاعلين النقابيين والحقوقيين، وتحقيق انسجام أكبر بين التشريع الوطني والتطور المعاصر للفقه الحقوقي الدولي.

فالمسألة في نهاية المطاف لا تتعلق فقط بنص قانوني، بل بطبيعة العلاقة التي تريد الدولة بناءها مع المجتمع.

هل هي علاقة تقوم على منطق الضبط والتحكم؟

أم على منطق التوازن والثقة والتفاوض الاجتماعي؟

إن الديمقراطيات المعاصرة لا تقاس فقط بقدرتها على إنتاج المؤسسات، ولكن كذلك بمدى قدرتها على حماية إمكانيات الاعتراض المشروع داخل تلك المؤسسات.

ولهذا، فإن الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية لا ينتصر فقط للحركة النقابية، بل ينتصر لفكرة دستورية أعمق:

أن الدولة القوية ليست هي التي تقلص الحقوق باسم الاستقرار، بل التي تنجح في تحقيق الاستقرار دون المساس بجوهر الحقوق والحريات.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*