محاكمة الوزراء

محاكمة الوزراء

كتبها: الصحفي رشيد نيني

تفتح إدانة رئيس جماعة الفقيه بنصالح السابق مبدع بثلاث عشرة سنة سجنا، وهو الوزير السابق، الباب مشرعا على سؤال بات يتردد في كل الصالونات: هل دقت ساعة محاسبة الوزراء والولاة والعمال وكبار الشخصيات؟ فالحكم يعتبر سابقة قضائية وسياسية بالمغرب، فعدا محمد زيان وزير حقوق الإنسان الأسبق، لم يحدث أن حوكم وزير سابق، فالأحرى أن يدان ويحكم بالسجن بكل هذه المدة الطويلة.
والحقيقة أنه منذ محاكمة الوزراء الشهيرة أيام المرحوم الحسن الثاني لم تشهد الساحة السياسية المغربية محاكمات لهذا النوع من المسؤولين الذين صاروا شبه مطمئنين إلى أن يد القضاء مغلولة تجاههم رغم كل ما يمكنهم اقترافه من جرائم خلال فترة انتدابهم.
تراوحت الأحكام في قضية محاكمة الوزراء خلال بداية السبعينات بين 12 سنة و4 سنوات سجنا بتهمة الفساد واستغلال النفوذ بسبب ملف شركة طيران بانام الأمريكية التي كانت ترغب بتشييد فندق بالدار البيضاء، مع مصادرة ممتلكاتهم إلى حين تسلم واستعادة الرشاوي. وحكى لي الراحل ميلود الشعبي ذات جلسة في فيلته أن المحققين كانوا يضربون أحد الوزراء لكي يعترف بالمنسوب إليه، فأصيب الوزير بالإسهال الكلامي وبدأ يكشف لائحة بأسماء شركائه، فما كان من المحققين سوى الاستمرار في ضربه، لكن هذه المرة لكي يتوقف عن الكلام.
وبالنسبة لشخص مثلي جرجره أمام القضاء أكثر من سبعة وزراء من أحزاب مختلفة، ناهيك عن مسؤولين كبار على رأس مؤسسات عمومية، فإن رؤية هؤلاء المسؤولين يقفون بدورهم أمام القضاء بعد نهاية ولايتهم للإجابة على التهم الموجهة إليهم حول فترة تسييرهم هو تمرين صحي تحتاجه البلاد.
كثيرون اعتبروا الحكم في حق مبدع إحقاقا للحق، ففي مدينة فقيرة تشوي فيها الشمس جلود مواطنيها لم يجد رئيس بلديتها من إنجاز يحققه غير شي قطيع كامل من الغزلان لضيوف حفل زفاف ابنه الذي دام أكثر من أسبوع. والجميع في الفقيه بنصالح يعرف أن مبدع الذي سقط على رأس المجلس الجماعي سنة 1997 لم يكن يملك شيئا، وأن كل ثروته القارونية التي جمع كانت بفضل رئاسته للجماعة، وبعد ذلك سينجح في دخول الحكومة كوزير للوظيفة العمومية، هو الذي بدأ حياته رياشا للدجاج في الأسواق، وخصص بنكيران لاستراتيجيته لمحاربة الرشوة ميزانية قدرها مائتا مليار. وعندما غادر الحكومة، وباش زاد كملها وجملها، لصق ليهم على منصب رئيس لجنة العدل والتشريع فالبرلمان حتى عطاوه ليه، فدخل الفقيه بنصالح بسيارة تحمل شارة البرلمان وبدأ يطوف حول أزقة وشوارع المدينة لكي يغلق الأفواه التي بدأت تلوك خبر استدعائه للتحقيق معه. وبعدها تعرفون بقية القصة.
عندما يقرر ثري دخول الانتخابات وينجح في الوصول لرئاسة هيئة منتخبة ويقضي بها سنوات قبل أن يغادرها فإن الجميع يكون على علم بمصدر ثروته التي راكمها قبل دخول معترك السياسة. المشكلة هي مع بعض الحفاة العراة الذين كانوا لا يملكون عشاء ليلة فإذا بهم يتحولون بعد قضاء سنوات كرؤساء مجالس أو مستشارين أو برلمانيين أو رؤساء جهات أو وزراء، إلى مليارديرات جديرين بأغلفة مجلة فوربس.
ومثل مبدع الذي كان مجرد رياش للدجاج قبل أن يتخصص في ترياش المواطنين وانتزاع أراضيهم وسرقة أموالهم هناك كثيرون سبق أن تكلمنا عنهم، ومنهم الرئيس المعتقل لمجلس بني ملال بسبب كل الكوارث التي تسبب فيها لمدينة منكوبة كبني ملال كان يمكن أن تكون قاطرة للتنمية عوض أن تتحول لغابة إسمنتية يعيث فيها وحوش العقار فسادا. هذا الشخص كان مجرد ضارب للمقص في «الهديات» يتكسب قوت يومه بالكاد إلى اليوم الذي اكتشف فيه الطريق السالكة نحو المجلس البلدي.
وهناك أيضا جواد غريب رئيس المجلس الإقليمي للقنيطرة لولايتين وبرلماني لولايتين ورئيس جماعة سوق أربعاء الغرب سابقا، والذي بدأ حياته أيضا مجرد كورتي في محطة التاكسيات وتحول في بضع سنين إلى ملياردير بعدما أقحم زوجته وأبناءه وأصهاره في الجماعات والمجالس التابعة للقنيطرة.
وتحدثنا عن مبارك السباعي برلماني آسفي الملياردير صاحب مقالع الرمال الذي بدأ حياته درازا للمطارب، وتحول بفضل رخصة استغلال رمال الشواطئ إلى ملياردير يربح يوميا بين عشرة ومائة مليون بفضل كل الرمال التي يشفطها.
والمصيبة أن أمثال هؤلاء المليارديرات الذين قطر بهم السقف والذين لم يترك لهم آباؤهم إرثا أو ممتلكات يوجدون في كل مدينة من مدن المغرب. وفي مدينة ابن سليمان، مسقط رأسي، يعرف الجميع أن رئيس المجلس البلدي الاستقلالي للولاية الثانية كان مجرد شفناج في الأسواق ولا مستوى تعليمي له، وهو اليوم يملك الأراضي والمقاهي والضيعات وما يكفي لكي يذهب إلى أحسن مصحة تجميل في تركيا لإعادة ترميم أسنانه.
والجميع يتساءل عن الحماية التي يحظى بها لكي يظل إلى حدود اليوم خارج المساءلة القضائية أو العزل رغم كل المحاضر التي أنجزتها له الفرقة الوطنية.
وفي فاس لديهم برلماني، اتحادي يا حسرة، اسمه البوصيري نجح في دائرة التجمعي رشيد الفايق الذي يوجد اليوم وراء القضبان، والذي التحق به البوصيري محكوما بثماني سنوات سجنا على خلفية تورطه في شبكة فساد مالي وإداري بجماعة فاس. هاد السي البوصيري كان مجرد «روسوفور» في حافلات شركة سيتي باص براتب لا يتعدى ثلاثة آلاف درهم في الشهر إلى حدود 2015، قبل أن يغادر الشركة بتعويض لا يتعدى أربعين ألف درهم، ثم أسس شركة حراسة وبدأ يحصل على الصفقات. وفي ظرف خمس سنوات تحول إلى ملياردير لا يشق له غبار، واشترى فندق صوفيا بثلاثة ملايير من العامل المتقاعد ومدير الحي الجامعي السابق بفاس العميمي.
والذين يعرفون عبدالقادر البوصيري جيدا يعلمون أنه ازداد وترعرع في دوار ريافة أحد الأحياء الشعبية لمقاطعة جنان الورد بفاس، وينتمي إلى أسرة متواضعة، قبل أن يتحول الطالب المعطل إلى واحد من بين أهم الأسماء البارزة في مجال السياسة والمال والأعمال بالعاصمة العلمية، وقد سبق له أن اشتغل في الصناعة التقليدية النحاسية بحي الصفارين، ومارس نشاط بيع الخضر بالحي الشعبي باب الخوخة، كما اشتغل في مجال البناء كمياوم، قبل أن يستقر به المطاف كقابض بالوكالة المستقلة للنقل الحضري، كما لا يجد حرجا وهو يعترف أن هذه المهن ساعدته ليس فقط في إتمام دراسته وإنما أيضا في صقل مواهبه. ومن ضمن ممتلكاته هناك مقهى شهيرة في فاس Le Bourgeois gourmand، أي «البورجوازي النهم». واسم هذه المقهى لوحده يلخص الصفة التي تليق بكل هؤلاء المليارديرات الذين جاؤوا من العدم وصاروا مضرب المثل في الثراء، إنهم البورجوازيون النهمون الذين يلتهمون كل شيء لتسمين حساباتهم وأرصدتهم التي تنتهي مجمدة بسبب أوامر العقل والحجز بانتظار الحسم في مصائر أصحابها الذين منهم من اعتقل ومنهم من يحاكم ومنهم من ينتظر.

رشيد نيني
rachidninyinfo@gmail.com

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*