العزوف الانتخابي والعزوف السياسي لدى الشباب
آدم بوبل: طالب بجامعة القانون باريس الثامنة
هل الوحدة تصنع القوة؟
لقد شهدنا عبر التاريخ السياسي أشكالاً متعددة من التحالفات؛ منها ما بدا طبيعياً ومنها ما كان مفاجئاً أو حتى متناقضاً.
غير أن أي تحالف لا يكتسب شرعيته إلا بقدر ما يخدم قضية عادلة ومصلحة جماعية حقيقية.
واليوم، في الحقل السياسي المغربي، بدأت تبرز تحالفات جديدة تخرج من صالونات الفيلات الفاخرة في حي السويسي، حيث تتخذ النخب السياسية قراراتها بعيداً عن هموم الجماهير الشعبية.
ومن أبرز هذه التحالفات ذلك الذي يجمع الشبيبات الحزبية لأحزاب الأغلبية والمعارضة.
وهو تحالف يضم الأمناء العامين لشبيبات أحزاب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي والأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار والتقدم والاشتراكية.
لكن ما الذي يوحد هذه التنظيمات؟
ليس النضال من أجل حق الشباب في الشغل، ولا الدفاع عن حقهم في التعليم، ولا المطالبة بحماية اجتماعية تضمن كرامة العمال الشباب، بل السعي إلى توسيع حصتهم داخل البرلمان عبر الرفع من الكوطا المخصصة لهم، أي توسيع الامتيازات السياسية الممنوحة لفئة محددة داخل المنظومة القائمة.
هل هذا المطلب مشروع؟
لم نشهد من قبل تشكّل جبهة موحدة لهذه الشبيبات للدفاع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للشباب المغربي، رغم استفحال البطالة والتهميش والإقصاء.
أما عندما تعلق الأمر بالمقاعد البرلمانية، فقد سقطت الحواجز الإيديولوجية فجأة ووجدت هذه التنظيمات أرضية مشتركة.
الكوطا الشبابية: إصلاح ديمقراطي أم آلية لإعادة إنتاج النخب؟
في العديد من البلدان تُستخدم سياسات التمييز الإيجابي لتصحيح اختلالات تاريخية مرتبطة بالنوع الاجتماعي أو العرق أو الأصل الاجتماعي. أما في المغرب، فقد أُحدثت اللائحة الوطنية للشباب سنة 2011 في سياق سياسي اتسم بالحراك الشعبي الذي قادته حركة 20 فبراير وبالمطالب المتزايدة بالديمقراطية والعدالة الاجتماعية.
غير أن السؤال الجوهري يظل قائماً: هل استُحدثت هذه اللائحة لتمكين الشباب من الدفاع عن قضايا جيلهم، أم لإضفاء مظهر التجديد على مؤسسات تعاني من أزمة تمثيلية عميقة؟
لماذا لم يُنص على الكوطا في الدستور؟
لأن التمييز الإيجابي بطبيعته إجراء مؤقت، يُفترض أن يختفي بمجرد تحقيق أهدافه. لذلك جرى إدراجه في القانون التنظيمي لمجلس النواب بدل الدستور.
وكان الهدف المعلن هو فتح المجال أمام النساء والشباب لإثبات قدرتهم على الاضطلاع بالمسؤولية السياسية. لكن ما حدث عملياً يفرض إعادة تقييم هذه التجربة.
ماذا حققت اللائحة الوطنية للشباب؟
لا يمكن إنكار أنها سمحت بدخول عدد من الشباب إلى البرلمان.
لكن التجربة أفرزت أيضاً نتائج سلبية واضحة.
فقد تحولت هذه الآلية، في كثير من الأحيان، إلى وسيلة لإعادة إنتاج الامتيازات داخل الأحزاب، حيث يجري اختيار المرشحين وفق اعتبارات القرابة العائلية أو النفوذ المالي أو الولاء للقيادات الحزبية، بدل الاحتكام إلى الديمقراطية الداخلية وإرادة القواعد الشبابية.
وبذلك أصبحت الكوطا مجالاً لتوزيع الريع السياسي أكثر من كونها أداة لتحرير الطاقات الشابة وإشراكها فعلياً في صنع القرار.
أزمة المشاركة ليست انتخابية فقط
رغم وجود اللائحة الوطنية، لم ترتفع نسبة مشاركة الشباب في الانتخابات بشكل ملموس. والشباب، الذين يشكلون أكثر من ثلث المجتمع المغربي، ما زالوا الفئة الأكثر عزوفاً عن صناديق الاقتراع.
ولا يمكن فهم هذا الواقع دون التوقف عند دور أجهزة الدولة في تدبير العملية الانتخابية، بما في ذلك صعوبات التسجيل في اللوائح الانتخابية التي يواجهها العديد من المواطنين.
غير أن جوهر المشكلة أعمق من ذلك.
فالعزوف ليس انتخابياً فقط، بل هو عزوف سياسي ناتج عن شعور متزايد بأن المؤسسات القائمة لا تعبر عن المصالح الحقيقية للجماهير الشعبية، وأن النخب الحزبية أصبحت منفصلة عن الواقع الاجتماعي الذي يعيشه الشباب.
من المسؤول أمام الشعب؟
النائب المنتخب محلياً يخضع، نظرياً على الأقل، لمحاسبة ناخبيه.
أما النائب الذي يصل إلى البرلمان عبر اللائحة الوطنية، فإنه يصبح مرتبطاً أساساً بالقيادة الحزبية التي منحته موقعه.
وهكذا تُستبدل المسؤولية السياسية أمام الجماهير بالمسؤولية أمام الأجهزة الحزبية ومراكز النفوذ داخلها.
نحو تسييس الشباب وتنظيمهم
يرى عالم الاجتماع السياسي دانييل غاكسي أن التسييس هو المدخل الأساسي لمعالجة أزمة العزوف. فالفئات التي تُحرم من أدوات الوعي السياسي والتنظيم الجماعي تصبح بالضرورة أقل تمثيلاً وأكثر عرضة للتهميش.
إن بناء وعي سياسي نقدي لدى الشباب يبدأ من المستوى المحلي، من الأحياء والجامعات ومواقع العمل، ومن انخراطهم في النضالات اليومية دفاعاً عن حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
وما دامت الأحزاب تهمش تنظيماتها المحلية وتكتفي بإدارة السياسة من فوق، فإن الهوة بينها وبين المجتمع ستستمر في الاتساع.
أما إذا كانت هذه الأحزاب صادقة في حديثها عن تجديد النخب وإشراك الشباب، فعليها أن تقدم شباباً مناضلين مرتبطين بقضايا الناس، لا أن تعيد إنتاج وجوه جديدة لخدمة المصالح القديمة.
