هل يتّعظ المفسدون فيك يا وطني؟
سياسي: رشيد لمسلم
لم يكن الحكم الصادر عن محكمة الاستئناف بالدار البيضاء، الخميس 21 ماي 2026، والقاضي بالسجن النافذ لمدة 13 سنة في حق الوزير السابق والرئيس السابق لجماعة الفقيه بنصالح، محمد مبديع، مجرد خبر عابر في نشرات المساء أو عنوانا مثيرا تتناقله المنصات الإخبارية، بل كان لحظة مواجهة مؤلمة بين المغاربة وواحد من أكثر الأسئلة إلحاحا في حاضرهم السياسي والاجتماعي: إلى متى يستمر العبث بالمال العام؟ وهل يتّعظ المفسدون في هذا الوطن؟
القضية، بما حملته من تهم ثقيلة تتعلق بتبديد الأموال العمومية واستغلال النفوذ والارتشاء والتزوير، ليست حالة معزولة يمكن اختزالها في شخص أو مؤسسة أو مدينة.
إنها صورة مكثفة لسنوات طويلة من اختلالات التدبير، حيث تحوّل بعض المسؤولين من خدام للصالح العام إلى سماسرة للنفوذ، يتعاملون مع مقدرات الوطن كما لو أنها إرث شخصي أو غنيمة سياسية.
وحين يسمع المواطن المغربي هذه الأحكام، لا يفكر فقط في الأرقام والعقوبات، بل يستحضر على الفور واقعه اليومي المثقل بالمعاناة: مستشفيات تفتقد لأبسط التجهيزات، مدارس عمومية تنهكها الهشاشة، شباب يطارد فرص الهجرة أكثر مما يطارد الأحلام، وأسر مسحوقة تتقاسم الخبز والقلق في وطن غني بثرواته، فقير بسوء تدبير بعض مسؤوليه.
فالفساد ليس مجرد ملف يُفتح داخل قاعة محكمة، بل هو نزيف صامت يمتد أثره إلى كل تفاصيل الحياة.
حين تُنهب الأموال العمومية، لا تضيع الأرقام فقط، بل تضيع معها فرص العلاج، ومقاعد الدراسة، ومشاريع التنمية، وكرامة المواطن الذي يدفع دائما فاتورة الجشع السياسي والإداري.
لقد تعب المغاربة من سماع الشعارات الرنانة حول الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة، بينما كانت بعض الوجوه نفسها تتنقل بين المناصب والامتيازات دون أن يقترب منها السؤال أو العقاب.
لذلك، فإن أي حكم قضائي في ملفات الفساد لا يُقرأ فقط بمنطوق القانون، بل يُقاس أيضا بمدى قدرته على إعادة الثقة المفقودة بين المواطن والمؤسسات.
غير أن المعركة ضد الفساد لا يمكن أن تُختزل في اعتقال مسؤول هنا أو محاكمة منتخب هناك.
لأن الفساد، حين يتغلغل في الإدارة والسياسة والصفقات والامتيازات، يتحول إلى ثقافة خطيرة تُهدد روح الدولة نفسها.
ولهذا، فإن الرهان الحقيقي ليس فقط في معاقبة المتورطين، بل في بناء منظومة تجعل من استغلال السلطة أمرا مكلفا ومستحيلا.
إن الوطن لا ينهكه الفقر بقدر ما ينهكه الشعور بالظلم.
ولا يقتل الأمل في النفوس مثل رؤية الفاسدين ينجون دائما، بينما يدفع البسطاء ثمن كل الأزمات.
ومن هنا تأتي رمزية هذه الأحكام القضائية، باعتبارها رسالة بأن زمن الإفلات من العقاب لم يعد قدرا محتوما، وأن سلطة القانون يجب أن تعلو فوق كل النفوذ والمصالح.
لكن السؤال الذي يظل معلقا في وجدان المغاربة هو: هل سيتّعظ الآخرون؟ هل سيدرك كل مسؤول يتلاعب بالصفقات أو يختبئ خلف النفوذ أن الوطن ليس شركة خاصة، وأن المناصب لا تدوم، وأن التاريخ لا يرحم من خانوا الأمانة؟
المغرب اليوم أمام لحظة مفصلية؛ فإما أن تتحول محاربة الفساد إلى إرادة حقيقية تُترجم بالمحاسبة والشفافية وربط المسؤولية بالجزاء، وإما أن تبقى مجرد عناوين موسمية تُستهلك إعلاميا قبل أن يعود كل شيء إلى ما كان عليه.
وفي النهاية، تبقى الأوطان أقوى من المفسدين، لأن الشعوب التي تؤمن بالعدالة لا تموت، ولأن صوت المواطن البسيط، مهما بدا ضعيفا، يظل أقوى من كل شبكات الفساد حين يجد قضاء نزيها ودولة تحمي الحق العام.
فهل يتّعظ المفسدون فيك يا وطني؟
أم أن البعض لا يسمع صوت الوطن إلا حين تصدر الأحكام وتُغلق الأبواب الثقيلة خلفه؟
