أريري: الافتراس العقاري يكتب الفصل الأخير من العنصرية بحي “هارليم” في نيويورك
كتبها: الصحفي عبد الرحيم أريري
هنا في حي “هارليم” بشمال مقاطعة مانهاتن بمدينة نيويورك، تنتهي الأسطورة الأمريكية، وينتهي معها الحلم الأمريكي Le reve Americain، وتنتهي معها الآدمية وحقوق الإنسان.
هنا في حي “هارليم” Harlem (الذي يعد أسوأ غيتو حضري في العالم)، يبدأ الإقصاء وتبدأ العنصرية والهشاشة القصوى والإجرام والمخدرات والفقر والبطالة.
فإذا أسقطنا حي Brownsville بمقاطعة بروكلين، نجد أن حي “هارليم”، يتصدر جرائم القتل والسرقة بالعنف، لدرجة أن “هارليم” صنف في سنة 2022، كأخطر حي، ليس في نيويورك فقط، بل في الولايات المتحدة الأمريكية ككل( سأعود في ورقة لاحقة لوضعية حي Brownsville).
وحين نتحدث عن “هارليم”، فنقصد بالأساس المنطقة الشرقية منه، التي يتكدس فيها حوالي 130.000 من المواطنين “الأفرو أمريكيين” الأكثر فقرا وتهميشا، حيث اللاقانون واللاأمن، وحيث لا توجد سوى البنايات المتهالكة والشوارع المتسخة والإنارة العمومية الضعيفة، وحيث لا تسود سوى لغة العنف والسلاح وانتشار المدمنين على قارعة الطريق. في حين أن غرب هارليم يعد”واحة” من الرفاهية والأمان لكون جامعة “كولومبيا” المشهورة عالميا، تضم مرافق وأحياء جامعية بهذا المقطع.
جذور العنصرية ضد السود في نيويورك
حي “هارليم” كان إلى حدود سنة 1900 حيا عاديا مثله مثل باقي أحياء نيويورك، ولم يكن السود يشكلون حينها سوى 2% من مجموع سكانه. لكن مع توالي الهجرة المكثفة للسود من الولايات القروية بجنوب أمريكا نحو نيويورك بحثا عن فرص عمل أفضل، بدأت أعداد السود ترتفع بهذا الحي بين سنتي 1900 و1930.
وبدل أن يجد السود “الأرض الموعودة” في “هارليم”، تم حشرهم في هذا المجال الترابي في ظروف سكنية غير لائقة، بدون مدارس كافية، وبدون مرافق، وبدون مناصب شغل تضمن لهم العيش الكريم.
وتعاظم الإقصاء مع شيوع العنصرية نحو السود وحرمان معظمهم من حقوقهم، فحدث تواطؤ صامت بين الحكومة الفيدرالية وحكومة الولاية ومسؤولي مدينة نيويورك ونخبها وأبناكها وشركاتها، بأن يترك حي “هارليم” للمجهول.
في 1921، سيتم دق آخر مسمار في نعش “هارليم”، إذ تبنت نيويورك تحفيزات جبائية وبنكية لإنعاش منطقة مانهاتن، بشكل أغرى الكل بالمجئ إلى قلب نيويورك، وبالتالي غادر الميسورون (البيض والسود معا) حي “هارليم”، الذي تحول بحكم الواقع إلى مجال منسي. وتحول “هارليم” تدريجيا إلى “غيتو” لا يقطنه سوى السود الذين يوجدون في أسفل السلم الاجتماعي (في عام 1930 بلغ عدد سكان الحي ككل 250 ألف نسمة).
رصاصة الرحمة ضد هارليم
بعد الحرب العالمية الثانية ضخت الحكومة الفيدرالية أغلفة مالية باهظة لمساعدة المدن بمختلف الولايات، على تنفيذ سياستها الحضرية.
وهي السياسة التي كانت بمثابة آخر رصاصة تطلق ضد حي “هارليم”.
إذ أن الحكومة الفيدرالية الأمريكية ربطت منح الدعم للمدن بتجهيز الضواحي وبناء الطرق السريعة والقناطر لتسهيل تنقل الطبقات الوسطى والميسورة، على اعتبار أن المخططين في أمريكا كانوا يتبنون طوال عقود الخمسينيات والستينيات والسبعينيات من القرن 20 عقيدة مفادها أن السكن بالضاحية هو الأنسب لتربية الأطفال بعيدا عن ضجيج المدينة وعن تلوثها وعن “مصائبها”، وبالتالي لم يحظ “هارليم” بأي اهتمام في هذه الأجندة العمومية طوال 30 سنة متتالية، فانهار ما تبقى فيه من “معالم” ومن مرافق ومن خدمات على ضعف جودتها.
في ظل هذا الوضع، خرجت من رحم “هارليم” قيادات سياسية ومدنية للترافع ضد العنصرية وضد تهميش السود وضد إقصائهم من التشغيل ومن الانتفاع من الخدمات العمومية، فتحول “هارليم” إلى ساحة مواجهة دائمة وعنيفة على امتداد سنوات الستينيات والسبعينيات بين الحركات المدنية للسود والشرطة الأمريكية، وهي الصورة التي توفقت العديد من الأفلام والمسلسلات في ترجمتها في أعمال فنية خالدة.
سلاح الكوكايين للانقضاض
اليوم وبحكم “الإشباع” الذي تعرفه مقاطعة مانهاتن وحاجتها للعقار للتوسع وتوفير السكن لآلاف الأطر العاملة بالأبناك وبشركات التأمين وإعادة التأمين وبباقي قطاع الخدمات، تتجه الأنظار إلى حي”هارليم” لاستغلال العقارات المهجورة أو المتهالكة فيه وهدمها لإعادة بناء عمارات راقية ومجمعات سكنية فاخرة، في إطار خطة للتجديد الحضري Gentrification، خاصة وأن العديد من الأطر العاملة في مانهاتن ترفض السكن بضاحية نيويورك( رغم انخفاض سعر الكراء والشراء بكثير مقارنة مع وسط المدينة) بسبب بعد الضاحية، وبسبب تعلق الأطر الشابة بنمط الحياة الليلية التي يمنحها العيش بالقرب من مانهاتن( آلاف المطاعم والحانات والملاهي وأماكن الترفيه).
لكن وعلى عكس عمليات التجديد الحضري الناجحة التي طالت أحياء مجاورة لمانهاتن بمقاطعات أخرى (مثلا في بروكلين أو برونكس)، يبدو أن الأطماع التي تفتح شهية الأبناك والشركات العقارية الكبرى (ومنها شركات الرئيس دونالد ترامب)، لافتراس عقارات السود بشرق حي “هارليم” قد تشهد مواجهات ساخنة، بدليل المواجهات التي سبق أن عرفها الحي بين أعوام 2004و2007 حين رغبت جامعة كولومبيا في ابتلاع غرب “هارليم” لتشييد مرافقها وأجنحتها. إذ لا ينظر قاطنو شرق “هارليم” لهذه العمليات كتجديد حضري جالب للمنفعة للسكان، بقدر ما يعتبرون الأوراش الحضرية المسطرة تخدم الوافدين الجدد من السكان البيض لتطهير شمال مانهاتن وطرد السود نهائيا من مانهاتن.
ألم يحذر الشاعر Brad Bathgate (وهو من الشعراء السود / مواليد هارليم)، حين تم افتتاح فرع مقهى “ستارباكس”Starbuks بشارع مارتان لوتر كينغ Martin Luther King بقوله:” لقد أغرقوا حي هارليم بالكوكايين لإسقاط الناس في شباك الهشاشة، لكي يسهل الانقضاض عليهم وترحيلهم !”.
ملحوظة:
الصورة التقطت في شارع “مارتان لوتر كينغ”، وهو أهم شارع يخترق حي “هارليم”

