من صدمة “جريمة ياسين” إلى سؤال المجتمع: كيف ننقذ جيلاً من العنف؟
سياسي: رشيد لمسلم
هزت بعض الجرائم البشعة التي عرفها المجتمع المغربي في السنوات الأخيرة، وعلى رأسها قضية الشاب ياسين، رب أسرة، الرأي العام بقوة، ليس فقط بسبب فظاعتها، بل لأنها أعادت طرح سؤال أعمق: هل أصبح العنف يتسلل إلى بعض النفوس الشابة بشكل مقلق؟ وهل نحن أمام أزمة أفراد أم أزمة مجتمع؟ لاسيما أن جميع المعتقلين والمعتقلة في عمر الزهور.
إن رد الفعل الطبيعي على مثل هذه الأحداث هو الغضب، لكنه لا يكفي وحده.
فالمجتمعات لا تقاس بقدرتها على الإدانة فقط، بل بقدرتها على الفهم ثم الإصلاح، حتى لا يتحول الاستثناء إلى نمط متكرر.
أولا: العنف ليس حادثا معزولا بل مسار اجتماعي معقد
من الخطأ التعامل مع الجرائم البشعة كحالات منفصلة عن سياقها العام.
فالعنف في عمقه هو نتيجة تراكمات: تفكك اجتماعي، هشاشة اقتصادية، اضطرابات نفسية غير معالَجة، وضعف في التأطير التربوي داخل الأسرة والمدرسة.
كما أن بعض الشباب يعيش اليوم في بيئة مضطربة قيميا، حيث تختلط المرجعيات، ويتراجع دور القدوة، ويحل محلها تأثير رقمي سريع، أحيانا يطبع مع السلوك العدواني أو يقدمه كوسيلة “لإثبات الذات”.
ثانيا: المدرسة والأسرة أمام امتحان صعب
لا يمكن لأي مجتمع أن ينجح في محاربة العنف إذا كانت الأسرة منهكة في دورها، والمدرسة غير قادرة على القيام بوظيفتها التربوية الكاملة.
حين يغيب الحوار داخل البيت، وتضعف المتابعة التربوية، ويصبح الشارع أو الإنترنت هو المصدر الأساسي للتوجيه، يصبح بعض الشباب عرضة للانزلاق نحو سلوكيات خطيرة دون وعي بعواقبها.
وفي المقابل، تحتاج المدرسة اليوم إلى دعم أكبر في مجالات التربية النفسية والاجتماعية، وليس فقط التحصيل الدراسي.
ثالثا: العدالة وحدها لا تكفي… لكن غيابها أخطر
لا جدال في أن القانون يجب أن يكون حازما في مواجهة الجرائم الخطيرة، حماية للمجتمع والضحايا.
لكن المقاربة الزجرية وحدها لا تعالج الأسباب العميقة.
المطلوب هو توازن دقيق بين الردع والإصلاح: عدالة صارمة في مواجهة العنف، وفي الوقت نفسه سياسات وقائية تحمي الشباب قبل أن ينحرفوا نحو هذا المسار.
رابعا: سؤال الصحة النفسية الذي تم إهماله طويلا
من العناصر التي لا يتم التوقف عندها بما يكفي في النقاش العمومي مسألة الصحة النفسية.
كثير من السلوكيات العنيفة ترتبط باضطرابات نفسية غير مشخصة أو غير معالجة، في ظل نقص الوعي والخدمات المتاحة.
إن إدماج الدعم النفسي داخل المدرسة، وتسهيل الولوج إلى العلاج النفسي، لم يعد ترفا بل ضرورة اجتماعية.
نحو مشروع وطني لإعادة بناء الثقة
إن إنقاذ جيل من العنف لا يتم عبر خطاب التخويف أو الإدانة، بل عبر مشروع مجتمعي متكامل يقوم على:
تقوية الأسرة كفضاء للتربية والحوار
إعادة الاعتبار للمدرسة كمؤسسة للترقي والقيم
تعزيز فرص الشغل والعدالة الاجتماعية
تطوير خدمات الصحة النفسية للشباب
تنظيم الفضاء الرقمي بدل تركه بلا توجيه
وتفعيل العدالة الإصلاحية إلى جانب الردعية
من الصدمة إلى الفعل
إن الجرائم البشعة، مهما كانت قاسية، يجب أن تتحول إلى لحظات وعي جماعي، لا إلى مجرد موجات غضب عابرة. فالمجتمع الذي لا يسأل “لماذا حدث هذا؟ وكيف نمنع تكراره؟” يبقى عالقا في دائرة رد الفعل بدل الفعل.
إن حماية الأطفال والشباب ليست مسؤولية جهة واحدة، بل مسؤولية مجتمع كامل: دولة، أسرة، مدرسة، وإعلام. وعندما تلتقي هذه العناصر حول هدف واحد هو الإنسان، يمكن عندها فقط الحديث عن إنقاذ جيل وبناء مستقبل أكثر أمانا وتماسكا.
