بين منطق الحصيلة ومنطق الرؤية… سؤال التمثيلية السياسية في زمن الاستحقاقات

*بين منطق الحصيلة ومنطق الرؤية… سؤال التمثيلية السياسية في زمن الاستحقاقات*

كتبتها:  نادية واكرار 

 

مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية، يعود إلى الواجهة خطاب يكاد يتكرر بالصيغة نفسها: استعراض الحصائل، تعداد اللقاءات، إحصاء الأسئلة والتدخلات، واستحضار الصور والأنشطة وكأنها الدليل النهائي على جدارة التمثيل السياسي واستحقاق الاستمرار.

غير أن هذا المنطق، على أهميته النسبية، يكشف في العمق عن اختزال مقلق للفعل السياسي في بعده الإجرائي والتقني، وإفراغه من جوهره الاستراتيجي والتدبيري.

إن المجتمعات لا تتقدم بعدد الاجتماعات المنعقدة، ولا بحجم المذكرات المرفوعة، ولا بكثرة المداخلات الموثقة في السجلات الرسمية. فهذه كلها أدوات ووسائل تبقى فاقدة لقيمتها إذا لم تنتج أثراً ملموساً، أو إذا لم تنتظم ضمن رؤية واضحة المعالم تستشرف المستقبل وتستجيب للتحولات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تعيشها الجهات والمجالات الترابية.

 

لقد أصبح من الضروري التمييز بين “الحصيلة” باعتبارها جرداً لما تم إنجازه، وبين “المشروع” باعتباره تصوراً لما ينبغي أن يكون.

فالأولى تنتمي إلى الماضي، أما الثانية فتتجه نحو المستقبل.

والرهان الحقيقي في اللحظة الراهنة لا يكمن في التسابق نحو سرد ما أنجز أو ما يعتقد أنه أُنجز، بل في القدرة على تقديم أجوبة جديدة لأسئلة جديدة، وصياغة بدائل عملية لتحديات أصبحت أكثر تعقيداً وتشابكاً من أن تختزل في خطاب الإنجاز الكمي أو الاستعراض السياسي.

 

إن ما تحتاجه الجهات اليوم ليس ممثلين يجيدون تسويق ذواتهم، بل فاعلين يمتلكون القدرة على الإنصات، وعلى قراءة التحولات المجتمعية بعمق، وعلى تحويل الخصوصيات المحلية إلى فرص تنموية حقيقية. فالمشروعية السياسية لا تُبنى فقط على رصيد من الأنشطة واللقاءات، وإنما تتأسس أيضاً على امتلاك رؤية، وعلى القدرة على صناعة الأمل الجماعي، وعلى تقديم حلول قابلة للتنفيذ وقادرة على إحداث الأثر.

 

ومن المؤسف أن يتحول الحديث عن الحصيلة أحياناً إلى شكل من أشكال المنّ السياسي أو التعالي الرمزي على المواطنين، وكأن أداء الواجب العمومي أصبح منّة تستوجب الاعتراف والامتنان.

والحال أن المسؤولية التمثيلية ليست امتيازاً شخصياً، بل هي التزام أخلاقي ومؤسساتي تجاه المجتمع.

وما يُقدم في إطار هذه المسؤولية لا ينبغي أن يُسوَّق باعتباره فضلاً استثنائياً، بل باعتباره الحد الأدنى مما تقتضيه الوظيفة العمومية والنيابية.

 

إن معيار الاختيار السياسي في المرحلة المقبلة ينبغي أن يتجاوز منطق الولاءات والشعارات والصور الدعائية، لينتقل نحو معايير أكثر نضجاً وصرامة: الكفاءة، والاستحقاق، والنزاهة، والقدرة على التدبير، والفهم العميق للهوية المجالية والثقافية للجهات، والقدرة على تحويل هذه الهوية إلى رافعة للتنمية لا إلى مجرد مادة للخطاب الانتخابي.

 

لقد آن الأوان لأن ينتقل النقاش العمومي من سؤال: “ماذا فعلتم؟” إلى سؤال أكثر أهمية وعمقاً: “ماذا تقترحون للمستقبل؟”.

فالتاريخ السياسي لا يصنعه الذين يكتفون بتوثيق حركتهم، بل الذين يمتلكون الجرأة على رسم الاتجاه، وبناء التصورات، واقتراح المسارات القادرة على إحداث التحول.

 

وفي نهاية المطاف، فإن المجتمعات لا تبحث عن أمناء أرشيف للحصائل، بل عن صناع رؤية.

ولا تحتاج إلى مزيد من التطبيل للمنجزات، بقدر حاجتها إلى عقول استراتيجية قادرة على استشراف الغد، وإلى نخب تدرك أن التمثيل السياسي الحقيقي يبدأ حين تنتهي لغة التباهي، وتبدأ لغة المسؤولية..

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*