زمن المواسم المغربية… حين كانت الاحتفالية تصنع الاقتصاد وتحتفي بالإنسان
زمن المواسم المغربية…
حين كانت الاحتفالية تصنع الاقتصاد وتحتفي بالإنسان
سياسي: ل.ر
كان للمغرب موعد لا تخطئه الذاكرة، موعد لا تعلنه المنصات الرقمية ولا الحملات الإشهارية، بل تعلنه الأرض حين تتهيأ لاستقبال زوارها، وتعلنه الخيول وهي تتزين للسربة، وتعلنه النساء وهن يحملن منتوجاتهن نحو الأسواق، ويعلنه الأطفال الذين كانوا يعدون الأيام انتظارا لـ”لافوار” والحلقة ورائحة الشواء وصوت البارود.
ذلك هو زمن المواسم المغربية… زمن كانت فيه الحياة تحتفل بنفسها، وكان الاقتصاد يرتدي لباس الفرح.
ولعل ما يجعلني أكتب عن المواسم المغربية بكل هذا الشغف، أنني لم أعرفها من خلال الصور أو الروايات، بل عشتها طفلا، وتشكل جزء من ذاكرتي الأولى.
كانت تلك العطلة بالنسبة إلي مدرسة أخرى، لكنها لم تكن داخل أربعة جدران، بل في رحاب الأسواق المفتوحة، وبين الخيام، وعلى وقع صهيل الخيل ودوي البارود.
تعلمت مع والدي أن التجارة ليست مجرد بيع وشراء، بل أخلاق وثقة وعلاقات إنسانية.
كنت أراقب كيف يحيي الزبائن، وكيف يساوم بابتسامة، وكيف يحفظ وجوه الناس وأسماءهم من موسم إلى آخر، حتى أصبحت المواسم بالنسبة إلي أكثر من فضاءات تجارية؛ كانت مواسم للحياة.
وما تزال ذاكرتي تحتفظ بتلك الصباحات التي كنا نغادر فيها قبل شروق الشمس، محملين بالبضائع، وبذلك الإحساس الجميل بأننا ذاهبون إلى عرس كبير ينتظره الجميع.
وما إن نصل حتى تبدأ الحركة في كل مكان؛ أصوات الباعة، وزغاريد النساء، وروائح المأكولات التقليدية، والحلقة، و”لافوار”، والتبوريدة… كلها كانت ترسم لوحة مغربية أصيلة يصعب أن تمحوها السنوات.
ومن خلال تلك التجربة المبكرة، أدركت أن الموسم لم يكن مجرد مناسبة للاحتفال، بل كان اقتصادا اجتماعيا متكاملا قبل أن تعرف المؤسسات هذا المصطلح.
كان مصدر رزق لآلاف الأسر، وسوقا لتسويق المنتوج المحلي، وفضاء يلتقي فيه الفلاح بالحرفي، والتاجر بالمستهلك، والبادية بالمدينة، في دورة اقتصادية تعود منافعها إلى بنات و أبناء المنطقة أنفسهم.
لذلك، حين أكتب اليوم عن المواسم المغربية، فإنني لا أستحضر الماضي بدافع الحنين فقط، بل لأنني عشت نموذجا للتنمية المحلية كان قائما على الإنسان قبل كل شيء، وعلى الاقتصاد الذي يخدم المجتمع، لا المجتمع الذي يخدم الاقتصاد.
لم تكن المواسم مجرد تجمعات موسمية أو احتفالات دينية، بل كانت مدرسة في الاقتصاد الشعبي، وجامعة مفتوحة للتضامن الاجتماعي، ومسرحا كبيرا للثقافة المغربية بكل ألوانها.
كانت السوق والفرجة وجهين لعملة واحدة، فلا تجارة بلا احتفال، ولا احتفال بلا حركة اقتصادية تنعش الناس والأماكن.
كان الموسم يبدأ قبل افتتاحه بأسابيع.
تستيقظ القرى على حركة غير مألوفة، فيستعد الفلاح لجني أفضل ما أنتجته أرضه، وتعيد المرأة ترتيب ما نسجته يداها من زرابي وأغطية وألبسة تقليدية، وتحضر الزبدة البلدية والعسل وزيت الزيتون والأركان والأعشاب الطبية والكسكس والتمور والحلويات.
أما الحرفي، فيلمع النحاس، ويصقل الخشب، ويطرز الجلد، ويزين الفخار، لأن الموسم كان موعدا سنويا لإظهار أجمل ما تختزنه الجهة من إبداع وإنتاج.
كان الجميع شريكا في هذا العرس الاقتصادي.
لم يكن أحد ينتظر فرصة العمل، بل كان الموسم نفسه يصنعها.
عشرات المهن كانت تنتعش؛ النقل، والإيواء، والإطعام، والخياطة، والحدادة، وصناعة الخيام، وتربية الخيول، وبيع الأعلاف، وصناعة الحلويات، والألعاب، والملابس التقليدية، وحرفيون يعيدون إصلاح البارودة وصناعتها ” كما قالها لي ذات يوم نقيطة الزيت ولا معلم خزيت”، كانت الأموال تدور داخل المجال الترابي نفسه، فيستفيد منها الفلاح، والتاجر، والحرفي، وصاحب الدكان، وسائق النقل، وصاحب المقهى، وحتى الطفل الذي يبيع الماء على شكل ” بيدوزا مغالفة وغراف بلاستيكي، أو الحلوى، أو” الصاك ..صاك.. ميكة، أو الديطاي..وغيرها .
وقبل أن يظهر مصطلح الاقتصاد الاجتماعي والتضامني في الأدبيات الحديثة، كانت المواسم المغربية تمارسه تلقائيا. فقد كانت فضاء يمنح الأولوية للمنتج المحلي، ويقرب المستهلك من المنتج، ويخلق الثقة بين الناس، ويشجع الأسر على الإنتاج بدل الاكتفاء بالاستهلاك. وكانت التعاونيات، قبل أن تحمل هذا الإسم، حاضرة في شكل عمل جماعي داخل الأسر والقبائل، تتقاسم الإنتاج والتسويق والعائدات.
وكان الموسم أيضا معرضا مفتوحا للتراث المغربي.
فمن خلاله يتعرف الزائر على خصوصية كل جهة؛ فيتذوق خبزها، ويقتني صناعاتها، ويلبس منسوجاتها، ويستمع إلى موسيقاها، ويشاهد رقصاتها، ويتعرف على لهجتها وعاداتها. كان المنتوج المحلي يقدم نفسه بنفسه، دون حاجة إلى حملات تسويق أو شعارات دعائية، لأن الجودة كانت تتحدث باسم أصحابها.
وفي قلب هذا المشهد، كانت الفرجة الشعبية تمنح الموسم روحه.
هنا تنطلق التبوريدة، فتتعالى زغاريد النساء مع دوي البارود، وتتحول السربة إلى قصيدة مكتوبة على ظهور الخيل.
وهناك تلتف الجماهير حول الحلقة، حيث الحكواتي، والمسرحي الشعبي “مول الحلقة” ، والموسيقي “الكوامنجي والطبال والغياط”، والمهرج، وصاحب ألعاب الخفة، وحتى اللصوص، فيصنعون جميعا مسرحا بلا جدران، ومدرسة بلا سبورة، وجامعة للحكمة والضحك والدهشة.
ولم يكن “لافوار” مجرد فضاء للألعاب، بل كان احتفالا بالحياة نفسها.
الأطفال يركضون بين الأراجيح، والكبار يتبادلون الأخبار، والعائلات تلتقي بعد طول غياب، وتعقد الصفقات، وتُصلح ذات البين، وترتب أمور الأعراس البدوية، وكأن الموسم كان وطنا مصغرا يجتمع فيه المغرب بكل تنوعه.
ذلك الزمن لم يكن يقيس نجاح الموسم بعدد المنصات الفنية، ولا بحجم الميزانيات، ولا بعدد المتابعين على وسائل التواصل الاجتماعي، بل كان يقيسه بحجم الرواج الذي عرفته الأسواق، وعدد الأسر التي عادت إلى بيوتها وقد باعت منتوجها، وعدد الحرفيين الذين وجدوا زبائن جددا، وعدد الشباب الذين اشتغلوا خلال أيام الموسم، وعدد الزوار الذين حملوا معهم قطعة من تراث المنطقة إلى مدنهم.
غير أن كثيرا من المواسم، مع مرور الزمن، تغيرت ملامحها. فقد دخلت مرحلة جديدة يغلب عليها الطابع المقاولاتي، وأصبحت في عدد من الحالات مشاريع تنظيمية أكثر منها مشاريع تنموية.
توسعت المنصات، وازدادت العروض، وكبرت الميزانيات، لكن المساحات المخصصة للمنتج المحلي تقلصت في بعض المواسم، وأصبح أبناء المنطقة، في أحيان كثيرة، متفرجين على حدث يقام فوق أرضهم أكثر من كونهم شركاء في صناعته.
وأصبحت خدمات عديدة تسند إلى مقاولات قادمة من خارج المجال الترابي، فتغادر معها نسبة مهمة من القيمة الاقتصادية التي كان يفترض أن تستقر داخل المنطقة.
بينما تراجعت فرص الحرفيين الصغار، والمنتجين المحليين، والتعاونيات النسائية، الذين كانوا يشكلون في الماضي القلب النابض للموسم.
ولا يعني هذا أن الصورة واحدة في كل مكان، فهناك مواسم ما تزال تحافظ على روحها الأصيلة، وتمنح الأولوية للمنتوج المحلي، وتشرك الجمعيات والتعاونيات والحرفيين، وتنجح في الجمع بين الاحتفال والتنمية.
غير أن التحدي اليوم يتمثل في إعادة الاعتبار للموسم باعتباره مشروعا ترابيا قبل أن يكون موعدا احتفاليا، ومجالا لتوزيع فرص التنمية قبل أن يكون فضاء للعروض الفنية.
إن المواسم المغربية ليست مجرد تراث ينبغي حفظه، بل هي نموذج تنموي يستحق أن يستعاد بروحه الأصلية.
فحين يصبح الفلاح أول المستفيدين، والحرفي أول العارضين، والمرأة القروية أول المسوقات لمنتوجها، والشاب أول المستفيدين من فرص الشغل، نستطيع أن نقول إن الموسم استعاد رسالته الحقيقية.
فالمغرب لا يحتاج إلى مواسم جميلة فقط، بل إلى مواسم تصنع الجمال والتنمية معا؛ مواسم تجعل الاقتصاد يحتفل بالإنسان، ويحتفل الإنسان بأرضه، ويصبح فيها المنتوج المحلي سفيرا للهوية، والثقافة جسرا للتنمية، والاحتفال فعلا من أفعال البناء.
ذلك هو الموسم المغربي الذي يسكن الذاكرة… موسم كانت فيه الفرجة رزقا، وكانت السوق احتفالا، وكانت التنمية تبدأ من أبناء الأرض، وتعود إليهم.
