عن الدجل والتهريج والتهييج في الخطاب الشعبوي
محمد إنفي
لقد سبق أن عرَّفنا الشعبوية في مقال تناول العدمية والشعبوية والفساد الانتخابي معا.
ويشكل الدجل والتهريج والتهييج، وإن بنسب متباينة بين المفاهيم الثلاثة، الوجوه القبيحة لما يعرف بالخطاب الشعبويي.
وكما أسلفنا، في المقال المشار إليه في مطلع هذه السطور، فإن الشعبوية يتخذها كل من اليمين المتطرف واليسار المتطرف منهجا في مخاطبة الجماهير؛ خصوصا في ظروف وطنية دقيقة، يتم فيها البحث عن التأثير على العامة بخطاب ديماغوجي يدغدغ العواطف، ويستغفل العوام كما يحدث مع قرب أو حلول موعد الاستحقاقات الانتخابية أو غيرها من القضايا الوطنية التي تهم الرأي العام الوطني.
وسوف لن نعدد الأمثلة، وإن كانت كثيرة في المشهد السياسي المغربي.
لن ندرج في هذا المقال المتواضع سوى مثالين (أي نموذجين) نبرز من خلالهما كيف يستعمل الخطاب الشعبوي الدجل لتمرير الهرطقات والترهات والأكاذيب.
فالدجل، لغة، يعني خلط الحق بالباطل؛ لذلك سمي من يزور الحقائق بالدجَّال.
والدجل، اصطلاحا، هو الاحتيال والتمويه وخداع الناس بتقديم معلومات مزيفة بهدف تحقيق مكاسب معينة؛ إما مادية أو معنوية.
ولبلوغ هذا الهدف، يتم اللجوء إلى أساليب تتجاوز كل حدود ما هو مسموح به في موضوع حرية التعبير وحرية التفكير.
فالشعبوي لا تهمه الحقيقة ولا يستحضر، في خطابه، الأخلاق ولا يتورع عن ركوب الكذب ومُجافاة الصراحة. ويستعين على ذلك بالتهريج والتهييج.
لنأخذ، إذن، نموذجنا الأول من حزب العدالة والتنمية باعتباره حزبا يمينيا متطرفا، كما يتضح من اختياره الإيديولوجي وخطابه التهريجي والتهييجي.
ولن نجد أفضل من السيد عبد الإله بنكيران، الأمين العام للحزب الذي يزعم المرجعية الإسلامية، والدين الإسلامي الحنيف منه براء، للتدليل على نوعية الخطاب السائد عند الإسلام السياسي. فالإسلام الحقيقي يذم الكذب والخداع، بينما “الإخوان المجرمون” (أنظر مقالا لنا بعنوان: “إخوان مسلمون أم إخوان مجرمون؟”، نشر بتاريخ 23 يونيو 2025 في الموقع الفرعي بـ”الحوار المتمدن”، باسم محمد إنفي) يجعلون منه (أي الكذب والخداع) منهاجهم السياسي والأخلاقي، أسوة بالشيعة الإمامية التي جعلت من التقية جزءاً أساسياً من عقيدتها.
والتقية ليست إلا كذبا بواحا يبيحون به لأنفسهم الخداع الذي يتخذونه وسيلة لتحقيق أهدافهم القذرة، عملا بمقولة “الغاية تبرر الوسيلة”.
والإسلام السياسي، كما هو معلوم، يتاجر بالدين الإسلامي وبالقضية الفلسطينية وبالقيم الإنسانية بهدف تحقيق أطماعه السياسية.
وتتمثل هذه الأطماع، بالنسبة لحزب العدالة والتنمية وجماعة العدل والإحسان، في الاستلاء على الدولة؛ وذلك بتوجيه وتحريض من التنظيم العالمي “للإخوان المجرمين”.
وما كتبناه عن كذب عبد الإله بنكيران (أو بن إيران) ونفاقه كثير جدا، سواء حين كان رئيسا للحكومة أو بعد مغادرتها غير مأسوف عليه، لما فشمل في تشكيل الحكومة فتسبب في تعطيل القطاعات الحكومية لمدة تقارب ثمانية أشهر. وإلى يومنا هذا، لا يزال يتذكر بمرارة كبيرة ما سمي بـ”البلوكاج”.
ولجشعه المادي ونفاقه المتأصل، ادعى كذبا وزورا الفقر والحاجة، فمنحه جلالة الملك، محمد السادس، تقاعدا سمينا قدره سبعة ملايين سنتيم شهريا (أنظر مقالا لنا بعنوان:” أَسْحَتَ بنكيران وفَجَر! اللهم إن هذا لمنكر !!!”، نشر بالحوار المتمدن، الموقع الفرعي لمحمد إنفي، بتاريخ 21 غشت 2019).
وكل ما كتبناه عن بنكيران، كنا نعززه بأدلة وبراهين نأخذها من خرجاته الإعلامية ومن خطبه في البرلمان أو في مهرجانات أو تجمعات حزبه. فلم نكن نفتري عليه ولم نختلق حججا وأدلة يكذبها الواقع.
أما النموذج الثاني، فسنأخذه من اليسار الاشتراكي الموحد، في شخص أمينته العامة السابقة، الأستاذة نبيلة منيب.
لن نعدد الأمثلة عن شعبويتها التي تحمل طابعا خاصا، يتمثل، من جهة في الطابع “العلمي” لاستشهاداتها المشبوهة؛ ومن جهة أخرى في استهدافها للدولة في هذه الاستشهادات، كما سنرى في المثال الذي سنقدمه.
لا شك أن السيدة منيب تبتغي من وراء ذلك تحقيق أهداف سياسية من خلال مخاطبة ليس العامة فقط كما يفعل بن إيران، عفوا بنكران، بل مخاطبة الخاصة كذلك. لقد أصرت منيب، الأستاذة الجامعية والقيادية اليسارية الراديكالية، الممثلة الوحيدة لليسار الاشتراكي الموحد في البرلمان، على إقحام نظرية المؤامرة في الكوارث الطبيعية مثل الزلازل والفيضانات.
لقد اعتبرت زلزال الحوز وفيضانات الغرب من تدبير بشري، متهمة في ذلك، بطريقة واضحة لا لبس فيها، الدولة المغربة؛ إذ لما سألها مُحاورها (كان قد استضافها موقع من المواقع المغربية لا أتذكر اسمه) ما الهدف من وراء ذلك، والحديث كان على زلزال الحوز، أجابت بكل ثقة بأن هناك معادن ثمينة، في باطن الأرض، يسيل لها اللعاب.
لقد ادعت منيب أن هناك برنامجا “علميا” قادرا على إحداث الزلازل. وحسب منطوق كلامها، فزلزال الحوز ليس كارثة طبيعية؛ بل هو كارثة مصطنعة، لها أهداف اقتصادية خاصة وأهداف سياسية.
ولما حاول مخاطبها أن يجادلها حول الموضوع، تحججت باستماعها للعلماء للتهرب من النقاش والجدال، خصوصا وأن حججها واهية، في هذا الباب.
وبالنسبة للفيضانات التي اجتاحت منطقة الغرب وجزءً مهماً من المنطقة الشمالية، فقد عزت ذلك إلى تقنية الاستمطار، ودليلها في ذلك هو أنه لما أُصيبت محطة (أظن أنها تقصد محطة لتقنية الاستمطار) في الإمارات، نزلت الأمطار في مكان آخر، كما قالت.
تقنية الاستمطار هذه سمعنا عنها منذ عقود؛ وبلادنا عانت من الجفاف لسنين طويلة؛ آخرها السبع سنوات الأخيرة. فهل هناك عاقل يمكن أن يصدق أن ما عرفته بلادنا هذه السنة من أمطار غزيرة جدا – خصوصا في إقليم القنيطرة وإقليمي سيدي سليمان وسيدي قاسم وفي أقاليم الشمال (العراش، شفشاون، الحسيمة) تسببت في الإفراغ الكلي لمدينة القصر الكبير وكذا قرى في الغرب وفي شفشاون من سكانها حفاظا على الأرواح وعلى الماشية وعلى بعض الممتلكات- هو بسبب تقنية الاستمطار؟ فهذا هوس ما بعده هوس؛ إذ لو كانت تقنية الاستمطار بهذه الفعالية، لكانت الصين المتطورة تكنولوجيا والمتوفرة على عدة محطات للاستمطار، من البلدان المزدهرة فلاحيا والمتطورة بيئيا. وهنا، ننصح السيدة منيب بقراءة مقال بعنوان: “كيف أصيبت الصين بهوس تلقيح السحب”؟ وهذا المقال متوفر على شبكة جوجل.
كما ننصحها بالاطلاع على إسهامات البروفيسور قروق العلمية البارزة على الصعيدين الوطني والدولي في مجال علم المناخ لتزيل الغشاوة عن فكرها وتفكيرها الذي جعلته الشعبوية وتبنيها لنظرية المؤامرة بعيدا كل البعد عن الحقيقة العلمية (مع الإشارة إلى أن كاتب هذه السطور لا علاقة له لا بالعلوم الحقة ولا بالعلوم الطبيعة).
خلاصة القول، الخطاب الشعبوي دليل على فراغ أصحابه، مهما نالوا من شهادات وما بلغوا من مراتب اجتماعية وسياسية.
وللتغطية على هذا الفراغ الذي يظهر سواء في تحليلاتهم أو في نقاشاتهم وحواراتهم، فإنهم يلجؤون إلى التهريج والتهييج كعنصرين يسندان بهما الدجل.
مكناس في 14 يونيو 2026
