صدور ديوان شعري جديد للكاتبة والشاعرة آمال بن الطاهر، تحت عنوان “خرائط لا تُقرأ”

 صدور ديوان شعري جديد للكاتبة والشاعرة المبدعة آمال بن الطاهر، تحت عنوان “خرائط لا تُقرأ” عن جامعة المبدعين المغاربة في طبعته الأولى نهاية سنة 2025. من الحجم المتوسط يضم 36 قصيدة ، وقد جاء في 107 صفحات.

تقديم الديوان: بقلم الشاعرة آمال بن الطاهر

لا يأتي هذا الديوان ليقول ما نعرفهُ،

بل ليضع المعرفة نفسها موضع ارتيابٍ.

فالقصيدة هنا ليست خطابًا،

بل حدثًا داخليًا،

يقع في المسافة الفاصلة بين القول والعجز عنه.

الذات في هذه النصوص لا تتكلم من مركز ثابتٍ،

بل من تصدّعاتها…

من هشاشتها…

من وعيها بأنها كائن عابر؛

يحاول أن يترك أثرًا لغويًا

في عالم لا يمنح اليقين.

الزمن ليس خلفية للقصائد،

بل مادتها الخفية،

يتسرّب في الصور،

وفي النبرات المترددة،

وفي ذلك الإحساس بأن كل كتابة

هي تأجيل للفقد،

ومواجهة مؤقتة للعدم.

اللغة هنا لا تدّعي السيطرة على المعنى،

بل تعترف بمحدوديتها،

تقترب ثم تنسحب،

تلمس الفكرة ثم تتركها معلّقة،

كأن الشعرَ فعل تفكيرٍ

يحدث داخل اللغة،

لا خارجها.

هذا ديوان لا يبحث عن الطمأنينة،

ولا يَعِد بالخلاصِ،

لكنه يقترح الإصغاءَ،

والبقاء داخل السؤال،

بوصفه الشكل الأكثر صدقًا للوجود.

فلنقرأ هذه القصائدَ

لا بوصفها اعترافات،

ولا شذراتِ حكمة ووصايا “مقدّسة”،

بل بوصفها محاولات عيش لغوي،

لحظة يلتقي فيها الوعي بذاته

وهو يدرك أنه غير مكتمل.

هنا،

الشعر ليس جوابًا عن الحياة،

بل طريقة لمجاورتها،

والكلمة ليست نهاية المعنى،

بل بدايته المؤجلة.

 

 

 

 

 

 

قصيدة النثر وشعرية الأنوثة والغياب:

مقاربة تحليلية نقدية لديوان “خرائط لا تقرأ” لآمال بن الطاهر

بقلم الشاعرة الناقدة

مدخل إشكالي:

يطرح ديوان “خرائط لا تقرأ” – من عتبة عنوانه إلى تراتبية قصائده[1] – إشكالية مزدوجة: إشكالية الجنس الأدبي (هل قصيدة النثر شعر بالمعنى الأنطولوجي أم كتابة تتخفى في لبوس الشعر؟)، وإشكالية الذات المتكلمة (كيف تُنتج الذات الأنثوية خطابها الشعري في لحظة تاريخية لا تزال فيها الشرعية الشعرية مرتبطة بإرث ذكوري عروضي؟). هاتان الإشكاليتان لا تنفصلان، لأن اختيار الشاعرة لقصيدة النثر بالذات – لا للقصيدة العمودية ولا لشعر التفعيلة – هو موقف حِجاجي ضمني قبل أن يكون خيارا جماليا محايدا.

  1. إشكالية الشرعية – هل قصيدة النثر “شعر”؟

الجدل حول شرعية قصيدة النثر ليس جدلا شكليا هامشيا، بل هو صراع تاريخي حول تعريف الشعر ذاته. سوزان برنار، في كتابها التأسيسي، حاولت حل الإشكال بوضع شروط ثلاثة (الوحدة العضوية، والكثافة، والمجانية) لتمييز قصيدة النثر عن النثر العادي من جهة، وعن الشعر الموزون من جهة أخرى. لكن هذا الحل النظري لم يُنه الجدل، بل نقله إلى الحقل العربي بحدة أكبر، لأن الشعرية العربية الكلاسيكية ربطت الشعر تاريخيا بالوزن والقافية ربطا يكاد يكون هوياتيا (كما في تعريف قدامة بن جعفر: “الشعر هو الكلام الموزون المقفى”).

أدونيس، في “الثابت والمتحول”، حوّل هذا الجدل من سؤال شكلي إلى سؤال حداثي: قصيدة النثر عنده ليست انفلاتا من الوزن بل ثورة على “نظام” كامل، نظام الفكر والرؤية الذي أنتج العروض. أما أنسي الحاج، في مقدمته الشهيرة لديوان “لن”، فقد ذهب إلى حد اعتبار قصيدة النثر “مغامرة” ونبوءة تحرر الشعر من كل قيد خارجي، بينما اعتبرها نقاد آخرون كنازك الملائكة نوعا من “الفوضى” التي تُفقد الشعر معياريته.

هنا تكمن الإشكالية الأولى في قراءة “خرائط لا تُقرأ”: الديوان لا يقدم نفسه كتجربة تفعيلية أو عمودية، بل يُشرك نفسه في هذا الصراع الشرعوي عبر اختيار قصيدة النثر بنية أساس، وهذا الاختيار بحد ذاته – كما تشير عناوين مثل “حروف على ضفاف الصمت” أو “ردهات الحكاية وصرخة الورق” – يُظهر وعيا بأن اللغة ذاتها، لا الوزن، هي حقل المغامرة. لكن هل نجحت القصائد في تحقيق شرط “الكثافة” الذي اشترطته برنار، أم أن كثرة عناوين الصمت والسكون والغياب (وهي ظاهرة كمية لافتة في لائحة العناوين) تنطوي على خطر التكرار الدلالي الذي يُفقد النص كثافته لصالح نغمة واحدة ممتدة؟ هذا سؤال نقدي مشروع لا يمكن حسمه إلا بقراءة داخل جسد النصوص ذاتها، لا عبر عتباتها فقط.

  1. إشكالية الصوت النسوي – كتابة الجسد أم كتابة عن الجسد؟

الشعرية النسوية تطرح إشكالية أعمق من مجرد جنس الكاتبة البيولوجي. إيلين سيكسو، في مقالها المؤسس “ضحك ميدوزا”، دعت إلى “الكتابة الأنثوية” (l’écriture féminine) بوصفها كتابة تنبثق من الجسد وتقاومه في آن، كتابة تتحرر من “المنطق الفالوسي” (phallogocentrisme) الذي ينظم اللغة والعقل الغربي وفق ثنائيات هرمية (عقل/جسد، حضور/غياب، فحل/أنثى). لوس إيريغاراي بدورها، في “هذا الجنس الذي ليس واحدا”، اعتبرت أن اللغة ذاتها بُنيت على قياس الذات الذكورية، وأن على المرأة أن “تخترق” هذه اللغة لا أن تتكلم بها فحسب.

لكن هذا الطرح الغربي يصطدم بإشكالية الترجمة الثقافية: هل يصلح مفهوم “الكتابة الأنثوية” الفرنسي – المنغرس في سياق التحليل النفسي اللاكاني وفي نقد بنيوي محدد – لقراءة نص عربي؟ خالدة سعيد ويمنى العيد، حين تناولتا الشعرية النسوية العربية، حاولتا تفادي هذا الإسقاط الميكانيكي، واقترحتا بدلا من ذلك قراءة “الأنثوي” كموقع تلفظ (position d’énonciation) لا كجوهر بيولوجي: أي إن الكتابة “الأنثوية” ليست بالضرورة كل نص كتبته امرأة، بل النص الذي يفكك مركزية الخطاب المهيمن ويُخرج الصوت من الهامش.

هنا يبرز سؤال إشكالي حول ديوان “خرائط لا تقرأ”: هل عناوين مثل “وحدة بلون القرمز” و”غواية الشمس” و”أنفاس صامتة” تُنتج فعلا كتابة تفكك اللغة المهيمنة (كما تطالب سيكسو)، أم أنها تعيد إنتاج معجم رومانسي تقليدي عن الأنوثة (الوحدة، الصمت، الحياء، الانتظار) – وهو معجم قد يُقرأ نقديا بوصفه أحد أشكال “الأنثوي المُتخيَّل ذكوريا” الذي حذرت منه سيمون دو بوفوار في “الجنس الآخر” حين ميّزت بين المرأة ككائن، والمرأة كـ”صورة” أنتجها الخطاب الذكوري عبر التاريخ؟ هذه إشكالية حقيقية تستحق مساءلة النص لا افتراض حسمها مسبقا لمجرد أن الكاتبة امرأة.

  1. إشكالية العنوان – الخريطة بين الوظيفة والنفي

العنوان “خرائط لا تقرأ” يفتح إشكالية سيميائية دقيقة. في نظرية العلامة عند فرديناند دو سوسور، ثم عند رولان بارت في “عناصر السيميولوجيا”، تقوم العلامة على ازدواجية الدال والمدلول، وتفترض “قابلية للقراءة” باعتبارها شرط وجودها التداولي. الخريطة تحديدا هي علامة من الدرجة الثانية نسق دلالي واصف(Metalanguage) تختزل واقعا مكانيا معقدا في نسق مقروء وقابل للتأويل الوظيفي: التوجيه.

حين تُنفى قابلية القراءة (“لا تُقرأ”)، لا يُلغى الدال (الخريطة تبقى موجودة بصريا) بل يُعطَّل المدلول الوظيفي، فتتحول الخريطة من أداة إلى “أثر” أو “طلل” بالمعنى الذي طوره جاك دريدا في نقده لميتافيزيقا الحضور: علامة تشير إلى غياب المعنى الذي كان يُفترض أن تحمله، لا إلى المعنى ذاته. بهذا المعنى، العنوان يمارس ما يسميه دريدا “المحو تحت الشطب” (sous rature) – الخريطة حاضرة كشكل، غائبة كوظيفة.

لكن الإشكالية الحِجاجية هنا: هل هذا النفي دعوة صادقة لتعدد التأويل (كما يوحي تقديم الغلاف بالحديث عن “اختبار القارئ للمعنى”)، أم هو استراتيجية خطابية تُحصّن النص مسبقا من النقد بجعل “اللاوضوح” ذاته قيمة موجَبة مسبقا؟ فالحِجاج – كما نظّر له شاييم بيرلمان في “الإمبراطورية البلاغية” – ليس مجرد إقناع، بل بناء لموقف اتجاه متلقٍّ مفترض. حين يقول العنوان للقارئ سلفا “لن تفهم بيقين”، فإنه يعيد توجيه أفق انتظار القارئ (بالمعنى الذي طرحه هانس روبرت ياوس في نظرية التلقي) نحو قبول الغموض كقيمة، وهذا قد يكون مكسبا جماليا، لكنه أيضا قد يكون تحصينا خطابيا يصعب معه توجيه نقد “الوضوح الناقص” لأن النص يكون قد استبق هذا النقد و”حيّده” سلفا. هذه مفارقة تستحق النقاش لا الحسم.

  1. إشكالية الصوفي و”العلماني” – حين يصير الحرف إلها

عنوان “حين تصير الحروف إلها” يستدعي مباشرة نظرية الحرف عند ابن عربي، حيث الحروف عوالم روحية قائمة بذاتها، لكل حرف “حقيقة” ميتافيزيقية تتجاوز وظيفته الصوتية. كما يستدعي تجربة النفّري في “المواقف”، حيث العبارة تضيق كلما اتسعت الرؤية، والصمت يصير مقاما أرفع من الكلام.

الإشكالية هنا مزدوجة. أولا: هل استدعاء المعجم الصوفي (الحرف-الإله، الصمت-الكلام، الغياب-الحضور) في سياق قصيدة نثر حداثية هو استعارة جمالية توظّف الميراث الصوفي شكليا، أم هو استمرار فعلي لرؤية معرفية صوفية تفترض أن اللغة قاصرة بنيويا عن الإحاطة بالمطلق؟ هذا فرق جوهري: الأول توظيف بلاغي، والثاني موقف وجودي-معرفي كامل. ثانيا: كيف يتصالح هذا الاستدعاء الصوفي (الذي أصله ديني-غيبي) مع مشروع نسوي تحرري (الذي غالبا ما يكون علمانيا نقديا في جذوره الغربية)؟ أليس في الجمع بينهما توتر بنيوي: الصوفية تقوم على “فناء” الذات في المطلق، بينما المشروع النسوي يقوم على “تأكيد” الذات وتحريرها من الطمس؟ هذا التوتر بين الفناء الصوفي والتأكيد النسوي للذات هو أحد أخصب مواطن المساءلة النقدية في هذا النوع من الشعر العربي المعاصر الذي يمزج التصوف بالحداثة، ولا يُفترض حله سلفا لمجرد وجود العنصرين معا في النص.

  1. إشكالية الزمن – بين الذاكرة كخلاص والنسيان كخلاص

عناوين مثل “ألق الذاكرة” و”صرخة النسيان” و”ألق ذاكرة ملغومة” ترسم بنية زمنية متوترة يمكن قراءتها في ضوء تأمل بول ريكور في “الذاكرة، التاريخ، النسيان”، حيث يطرح ريكور إشكالية مركزية: هل النسيان عدو الذاكرة أم شرط إمكانها؟ فالذاكرة الكاملة (كما في حكاية بورخيس عن “فونيس الذي لا ينسى”) ليست نعمة بل عبء يشل الذات عن الحياة، بينما النسيان الكلي يمحو الهوية. بين هذين القطبين تتموضع الذات المتكلمة.

الإشكالية النقدية هنا: هل يقدم الديوان تركيبا (synthèse) بين الذاكرة والنسيان يتجاوز الثنائية (كما قام بذلك ريكور فلسفيا)، أم يبقى أسير التأرجح بينهما من دون حسم، بحيث تكون “الذاكرة الملغومة” وصفا دقيقا لحالة تعليق دائم لا إنتاج معرفي جديد حولها؟ والسؤال الأعمق: هل هذا التعليق ذاته – عدم الحسم – هو رسالة الديوان الجوهرية (أي إن اللاحسم قيمة إبستيمولوجية بحد ذاتها تتناغم مع رفض “القراءة” في العنوان)، أم هو قصور في تطوير الفكرة الشعرية إلى ما هو أبعد من التسجيل العاطفي المتكرر لحالة التردد؟

خاتمة: نحو مساءلة مفتوحة

إن ما يجمع هذه الإشكالات الخمس هو أنها كلها تتقاطع عند نقطة واحدة: الديوان يطرح نفسه بوصفه نصا يقاوم الحسم (لا يُقرأ، بل يُلمح)، وهذا الموقف الجمالي/الفلسفي متسق مع نفسه ظاهريا.

لكن الاتساق الداخلي لا يعفي النص من المساءلة النقدية الخارجية: فمقاومة الحسم قد تكون عمقا شعريا حقيقيا يستدعي القارئ شريكا في المعنى (كما يقترح تقديم الغلاف)، وقد تكون في الوقت نفسه استراتيجية تحصّن النص من النقد بجعل الغموض ذاته حجة لا تُناقَش. الفصل بين الاحتمالين لا يمكن أن يتم من خارج النصوص، بل يقتضي قراءة معمّقة في تفاصيل الصور والتراكيب داخل كل قصيدة على حدة – وهي خطوة تالية طبيعية لأي دراسة أكاديمية جادة تريد تجاوز عتبات الديوان (العنوان، الغلاف، لائحة العناوين) إلى “جسد” النصوص ذاته.

[1] ـ تنتظم عناوين القصائد في الديوان، على التوالي، كما يأتي: أنينٌ…بين الفواصلِ، خطيئةُ الغدِ، وحدةٌ بلوْن القُرْمُزِ، ملْحمةٌ كُتِبت خارج الزمنِ، حينَ تصيرُ الحروفُ “إلهاً”، سلامٌ إلى الغيابِ، استغاثةٌ مِنْ مطرٍ، بينَ الصمْتِ والوَترِ، رقصةُ الظِّلِّ بينَ سنابلِ الغُروبِ، آياتٌ قيْد الكتابة، حكاياتُ الغدِ، حروفٌ على ضفافِ الصمتِ، ردَهاتُ الحكايةِ وصرخةُ الوَرقِ، سكونُ اللانهاياتِ، ألقُ الذاكرة، صرخةُ النسيان، شرفة الفجر، أنفاسٌ صامتةٌ، سُكون الأرواحِ، ظلُّ الحقيقةِ، تراتيلُ الفجرِ، ثُمالةُ الليلِ، الموتُ الأخيرُ، كلماتٌ ودعتِ الصمتَ، أناملُ القدرِ، غِوايةُ الشمسِ، غفوةٌ، صمتٌ أثيلٌ، زخَم البوحِ، لحظةٌ في الزمن، ألقُ ذاكرةٍ ملغومةٍ، كيدكمْ أسبقُ…وأعظمُ، ودقَّ الجرسُ، التيهُ، تفاحةُ آدم، موطني هناكَ…

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*